محمد طاهر الكردي
438
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
مداها ، وربما يموت الخصمان فتقوم ورثتهما مقامهما ، ولا تنتهي تلك الخصومة ، وإن انتهت بعد اللتيا والتي ، فلا تنتهي إلا بعد أن يخسر كل من الخصمين كل شيء حتى الجلد والسقط ، ويعلم ذلك لمن يرجع إلى فتاوى المفتيين السابقين . خامسا : أن مفتي الديار المصرية ليس مرجعا للمصريين فقط في فتاواه ، بل هو مربع لمختلف الأقطار ، لا فرق بين البعيد منها كالهند والقريب كالشام ، فإن أكثر هذه الأقطار ترجع فيما يشكل عليها من الأحكام الشرعية أو فيما يختلف فيه علماؤها إلى فتوى مفتي الديار المصرية ، ويكون قوله الفصل في ذلك ، وهذا مما يجعل لمصر فخرا وشرفا على سائر الأقطار الأخرى ، ويجعل المجلس حريصا كل الحرص على إيجاد وظيفة الفتوى ، لو لم تكن موجودة فكيف لا يحرص على إبقائها حيث كانت موجودة ؟ فإلغاء وظيفته هدم لمرجع عامل منظور إليه بعين الاحترام من سائر المسلمين . سادسا : أن مفتي الديار المصرية بمقتضى وظيفته وعمله هو شيخ لعلماء الحنفية ، ومعين ناظرا أصليا على أوقاف كثيرة وناظرا حسبيا كذلك ومرتبط به وظائف كثيرة في مصالح الأزهر وأوقافه . ففي إلغاء وظيفة الفتوى تعطيل لكل هذه المصالح ، وهذا لا يلتئم مع المصلحة العامة وموجب للارتباك بلا مبرر . النتيجة : يعلم مما أوضحنا أن وظيفة الإفتاء وظيفة من الوظائف الدينية ، التي يجب على ولي الأمر أن ينصّب فيها من يقوم بها ، كوظيفة القضاء . وقد جعلتها الشريعة الإسلامية من الفرائض الدينية ، ومن أهم المصالح الإسلامية ، وأنها وظيفة لها الأهمية الكبرى على الوجه الذي فصلنا . وما أظن أن المجلس بعد الذي أوضحناه يوافق على إلغائها ، ويخالف ما قضت به الشريعة الإسلامية ، خصوصا مع ما لهذه الوظيفة من الأهمية وشرف المنزلة . والذي أرجوه من المجلس أن يسن قانونا ، يحتم فيه مراعاة توفر الشروط الشرعية ، فيمن يوظف في تلك الوظيفة ، ويقطع عرق المحسوبية والأغراض ، التي تؤدي إلى أن يوظف فيها ، من لا يليق لها ولا تليق له ، ويحط من كرامتها ويضع احترامها ، ولكل عالم سيرة وسيرته بنزاهة أو غيرها . ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم