محمد طاهر الكردي

436

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

والأصل في ذلك أن جميع الخطط الدينية كانت للنبي صلى اللّه عليه وسلم وحده فلما كثر المسلمون أقام من ينوب عنه في تلك الخطط فجعل من قبله ولاة وأمراء وقضاة ومفتيين ، وغير ذلك مما اقتضاه نظام الحكم في عصره صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تبعه في ذلك الخلفاء الراشدون واستمر العمل على ذلك إلى يومنا هذا . وكل وال يملك في ملكه جباية الخراج ، وتعيين الحكام وغير ذلك تكون تلك الخطط في مملكته من وظائفه يعين فيها من ينوب عنه في كل منها . ولذلك لما ذكر ابن خلدون الخطط الدينية المختصة بالخلافة ، وترجع إلى الخطط الملوكية السلطانية عدّ منها الفتيا وجعلها من مصالح المسلمين وجعل مراعاتها من الواجبات على ولي الأمر ( انظر ص 182 من مقدمته ) . وقال الجلال الدواني في شرحه العقائد العضدية ، ص 68 : يجب على الكفاية تفصيل الدلائل ليتمكن معه من إزالة وإلزام المعاندين وإرشاد المسترشدين ، وقد ذكر الفقهاء أنه لا بد أن يكون في كل حد مسافة القصر شخص متصف بهذه الصفة ، ويسمى « المنصوب للذب والمنع » ويحرم على الإمام إخلاء مسافة القصر عن مثل هذا الشخص ، كما يحرم عليه إخلاء مسافة العدوي عن العالم بظواهر الشريعة والأحكام التي تحتاج إليها العامة . اه . وهذا هو المسمى بالمفتي الآن . قال في الحواشي الجديدة : مسافة العدوي التظلم إلى القاضي لأجل عدم حضور الخصم لبعده وحكم الشرع في هذه المسألة أن الخصم إذا كان في موضع أو ابتكر إليه يحضر مجلس القضاء ، ويجيب خصمه ويبيت في منزله ، فالقاضي يحضره بخط الإحضار ، فالمقصود ههنا أنه يجب على الإمام نصب من هو عالم بظواهر الشريعة والأحكام ليرجع إليه الناس في حوائجهم الشرعية في هذه المسافة بأن يذهب الناس إليه بكرة ويرجعون إلى منازلهم مساء اه . وقال صاحب النهر : والأصح أن الإفتاء غير مكروهة لمن كان أهلا ، وعلى ولي الأمر أن يبحث عمن يصلح للفتوى ، ويمنع من لا يصلح ، ونقل عن بعض الشافعية أنه إن لم يكن غيره عليه وإلا فهو فرض كفاية . اه . وليس من ضروريات إقامة ولي الأمر مفتيا وتوظيفه شرعا ، أن يكون لهذا المفتي مرتب من بيت المال « المالية » بل المفتي عامل للمسلمين ، قد حبس نفسه لعملهم ، فيجب أجره من مالهم فإن أخذه من بيت المال فليس له أن يأخذ من الناس شيئا ، وإن لم يكن له مرتب أخذ أجره ممن يستفتيه .