محمد طاهر الكردي

43

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ولقد بقيت عمارة " محمد المهدي " على حالها من سنة ( 164 ) هجرية إلى سنة ( 980 ) أي دامت عمارته ثمانمائة وست عشرة سنة . ففي هذه السنة تجدد عمارة المسجد الحرام بالقباب ، على هذه الصفة الموجودة في وقتنا الحاضر ، أي دامت عمارة " محمد المهدي " ثمانمائة وست عشرة تماما ، وبطبيعة الحال ، لا بد أنه حصل في عمارته ما يوجب إصلاحه وتقويته ، كما حصل في العمارة الجديدة ، التي بالقباب ، إصلاحات أيضا ، وهذا سنة الكون . وكان تجديد بناء المسجد الحرام بالقباب في زمن العلامة المؤرخ قطب الدين الحنفي صاحب كتاب " الإعلام بتاريخ بيت اللّه الحرام " المتوفى سنة ( 988 ) هجرية ، رحمه اللّه تعالى . واعلم : أن السبب في تجديد عمارة المسجد الحرام ، وبنائه بالقباب ، كما هو في وقتنا الحاضر ، هو : أن الرواق الشرقي مال إلى جهة الكعبة المشرفة ، بحيث برزت رؤوس خشب السقف الثاني عن محلّها ، من جدار المسجد الحرام بنحو ذراع ، والمراد بالرواق الشرقي هو من بعد باب علي إلى قرب باب السلام ، وقد مال وجه الرواق الشرقي إلى صحن المسجد ، أي إلى جهة الحصوة ميلا بيّنا واضحا حتى خشوا سقوطه . فرفعوا الأمر إلى خليفة المسلمين إذ ذاك وهو السلطان سليم خان ابن السلطان سليمان خان ، فأمر رحمه اللّه تعالى بتجديد بناء المسجد الحرام جميعه ، بناء محكما متقنا ، وأن يكون سطحه قبابا قوية ، بدلا عن السقفين الخشبيّين . فشرعوا في منتصف شهر ربيع الأول سنة ( 980 ) تسعمائة وثمانين من الهجرة . وقد استمرّ العمل أربع سنوات ، فتم على أكمل وجه . وهذه العمارة لا زالت باقية بقوتها ومتانتها إلى يومنا هذا ، فرحم اللّه الأقدمين الذين كانوا مخلصين ، في أعمالهم ، غاية الإخلاص ، بدون غش ولا تدليس . هذا ولقد يرى القارئ الكريم في تاريخ القطبي ، عند الكلام على هذه العمارة قوله : " بحيث برزت رؤوس خشب السقف الثالث منه " فقوله : " السقف الثالث " خطأ من الناسخ وغلطة مطبعية ، والصحيح : " السقف الثاني " حيث لم يكن للمسجد الحرام سقف ثالث وإنما كان له سقفان فقط . وحصل مثل هذا الخطأ أيضا في كتاب " تاريخ المسجد الحرام " للشيخ حسين باسلامة ، فإنه رحمه اللّه تعالى ، نقل عن تاريخ القطبي ولم ينتبه لهذه الغلطة ، فتأمّل .