محمد طاهر الكردي
42
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ومصر ، فنقلت بحرا إلى أن وصلت إلى " جدة " يعني إلى الشعيبة ، التي بقربها وجوارها حيث كانت ساحلا لمكة منذ أيام الجاهلية ، ومنها حمّلت تلك الأساطين والأعمدة الرخام إلى مكة ، شرفها اللّه تعالى ، بواسطة العربات ذوات العجل . وقد جعل رحمه اللّه تعالى للمسجد الحرام سقفين : السقف الأول كان من الدوم اليماني ، والسقف الثاني كان من خشب الساج . وقد نقشه بالنقر على نفس الخشب ، وزخرفه بالذهب والألوان ، حتى صار آية في الجمال . وكان ما بين السقف الأول والسقف الثاني ، فرجة قدر الذراعين تقريبا ، وكان السقف الأعلى مطبطبا ، أي مجصّصا بالتراب والنورة ، لحفظه من ماء المطر . وقد تقدم عند الكلام على بنائه سبب جعل سقفين للمسجد الحرام . وكان وقوف الأساطين والأعمدة بواسطة بناء العقود على رؤوسها ، لكن لم يكن عليها قباب ، وإنما جعل السطح مستويا ، من الخشب القوي الجيد ، مطبطبا بالنورة ، فيكون بناء الخليفة " محمد المهدي " للمسجد الحرام كبناء مسجد الشافعي بجدة والجامع الأزهر بمصر القاهرة في عصرنا الحاضر . قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه " تاريخ عمارة المسجد الحرام " : وقد ذكر العمري في مسالك الأبصار : ارتفاع جدار المسجد الحرام " أي في عمارة محمد المهدي " ولم يذكره أحد ممن وقفت على تواريخهم وإتماما للفائدة نذكرها فقال : وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا ، ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعا ، ومما يلي باب بني جمح " وهو المسمى الآن بباب العمرة " اثنان وعشرون ذراعا ، ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعا ونصف . انتهى . قال الشيخ حسين باسلامة ، رحمه اللّه تعالى : وهذا يدل على أن أرض المسجد الحرام لم تكن متساوية ، وأما ارتفاع السقف فهو واحد في عموم جهات المسجد الحرام الأربعة ، واللّه تعالى أعلم . اه . نقول : هذا كلام مطابق للحقيقة فأرض مكة كلها غير متساوية ، لكونها جبلية وصخرية . ففي بعض الجهات عالية وفي بعضها منخفضة ، وفيها بل في كل محلة ومكان ، مرتفعات ومنحدرات من أصل الخلقة ، وما نراه من الشوارع والمحلات المستوية فقد عمل بفعل فاعل .