محمد طاهر الكردي

414

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فلما تم عملها اجتمع المباشرون والعمال لديها وأخرجوا دفترهم لإخراج حساب ما أصرفوه من عهدة ما تسلموه من خزائن الأموال ، وكانت في قصر عال مطل على الدجلة فأخذت الدفاتر ورمتها في بحر الفرات وقالت : تركنا الحساب ليوم الحساب فمن بقي عنده شيء من بقية المال فهو له ، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه ثم ألبستهم الخلع والتشاريف فخرجوا من عندها حامدين شاكرين وبقي لها هذا الأثر العظيم في العاملين رحمها اللّه تعالى وأسكنها الفردوس في أعلى علّيين . انتهى . ولقد ذكرنا عن عين زبيدة فصلا خاصا فيما تقدم ولا نريد هنا إعادة الكلام . والحقيقة أن عملها هذا كان عظيما جبارا ، يذكره الناس لها إلى ما شاء اللّه ، وما تعاقب الحجيج إلى بلد اللّه الأمين عاما بعد عام وكثير من الناس يعتقد أن عين زبيدة بمكة متصل ببغداد بالفرات ، ولكن لا صحة لذلك مطلقا بل وغير معقول ذلك ، وإنما جاء هذا الوهم مما عملت أيضا في طريق الحج من بغداد إلى مكة من الآبار والصهاريج والبرك ، فكانوا يقولون : إن زبيدة أوصلت الماء من بغداد إلى مكة ومن هنا جاء الوهم فظن بعضهم أن الماء وصلت في قنوات ومجاري تحت الأرض من بغداد إلى مكة . والحقيقة هي كما ذكرنا . جاء في تاريخ ابن خلكان ما نصه : قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في « كتاب الألقاب » : أنها « أي زبيدة » سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار ، وأنها أسالت الماء عشرة أميال بحطّ الجبال ونحت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم ، وعملت عقبة البستان ، فقال لها وكيلها : تلزمك نفقة كثيرة . فقالت : اعملها ، ولو كانت ضربة فأس بدينار وإنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن ولكل واحدة ورد عشر القرآن ، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن ، وإن اسمها أمة العزيز ، ولقّبها جدها أبو جعفر المنصور « زبيدة » لبضاضتها ونضارتها ، انتهى منه . قال ابن كثير في تاريخه : كان لزبيدة من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شيء كثير ، وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم . توفيت زبيدة ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشر ومائتين .