محمد طاهر الكردي
406
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
اعلم : أن عين زبيدة تطلق على عينين : ( الأولى ) عين نعمان وهي على يمين عرفات بينهما نحو . . . كيلو متر تقريبا ، وبعضهم يسميها « عين عرفات » لأنها تأتي من طريقها فنسبت غليها ، فعين نعمان تنبع من ذيل جبل « كرا » بفتح للكاف والراء المهملة ، في منتهى وادي نعمان فتصب في قناة إلى موضع يقال له « الأوجر » من وادي نعمان ( والثانية ) عين حنين وهي على يسار عرفات إلى جهة الطائف ، أي إلى ما فوق الشرائع بنحو . . . كيلو متر تقريبا . وكانت عين حنين أول ما أجرتها زبيدة رحمها اللّه تعالى ، فلما وصلت إلى مكة قامت بإجراء عين نعمان بعرفات . وعين حنين تنبع من جبل عال يقال له « طاد » بقرب الشرائع جهة الطائف . وهاتان العينان النضاختان أتت بهما زبيدة رحمها اللّه تعالى وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إلى مكة المكرمة من منابعها الأصلية ، في سنة ( 174 ) أربع وسبعين ومائة من الهجرة ، وزبيدة هي بنت جعفر ابن المنصور زوجة هارون الرشيد واسمها أمة العزيز وستأتي ترجمتها . ولا يعرف أحد مقدار التعب والصعوبات التي تكبدوها في سبيل إيصال الماء إلى « مكة » بلد اللّه الأمين ، ولا المصاريف والنفقات العظيمة التي لا تحصر إلا من ذهب بنفسه إلى وادي نعمان ، ووصل إلى موضع حنين ، وعاين ارتفاعات الأرض وانخفاضها ورأى الجبال والصخور التي أجروا الماء من بينها ، وعملوا في حفرها وتكسيرها بالأدوات اليدوية من غير أن تكون لديهم آلات ميكانيكية ، وأدوات حديثة فنية ، ومفرقعات ودناميتات فما كانوا يعتمدون إلا على اللّه تعالى وإلى قوة إيمانهم وإخلاصهم وتقواهم ، « وإنما الأعمال بالنيات » وقد قال الأقدمون في أمثالهم : « همة الرجال تقلع الجبال » . ولشعراء العرب بعض أقوال في واد نعمان كقولهم : أيا جبلي نعمان باللّه خليا * نسيم الصبا يخلص إليّ نسميها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على كبد حرا تجلت همومها ولنذكر من أعمالهم الجبارة العظيمة الخالدة شيئين على سبيل المثال لا الحصر ، ليتصور القارئ الكريم الصعوبات التي لاقوها حتى وصل الماء إلى مكة المشرفة : ( الشيء الأول ) بئر زبيدة ، ويسميها العام ب « حبس الجن » لكون النزول إليها مخوف لعمقها والتعاريج التي فيها وهذه البئر واقعة على يمين الذاهب من مكة إلى