محمد طاهر الكردي
341
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
إذا فهمنا ذلك علمنا فيما يظهر من نزول النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا الغار ، ثم خروجه إلى الموقف يوم عرفة ، إنما هو اقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ، وهم اقتداء بخليل اللّه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، حيث إنه هو الذي أمره اللّه عز شأنه أن يؤذن في الناس بالحج ، وأراه جبريل عليه السلام المواقف والمشاعر كلها ، حتى إن إبراهيم عليه السلام لما حج بابنه إسماعيل وبسكان الحرم من جرهم وصل بهم إلى نمرة ، حتى إذا مالت الشمس جمع بين الظهر والعصر هنالك ، ثم راح بهم إلى الموقف بعرفة كما ذكره الأزرقي . وموقفه وموقف جميع الأنبياء عشية عرفة هو نفس موقف نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين ، أي في موضع مسجد الصخرات بقرب جبل الرحمة . فإن قيل : سلمنا أن إبراهيم الخليل أو نبينا محمدا عليهما الصلاة والسلام نزلا في غار جبل نمرة ، ولكن لم يكن هنالك في زمنهما مسجد حتى ينسب إلى إبراهيم الخليل ؟ نقول : لا يخفى أن من السنة للحاج أن يخرج من مكة يوم التروية وهو ثامن ذي الحجة إلى منى ، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وأن يبيت بها ويصلي الصبح في اليوم التاسع وهو يوم عرفة ، فإذا طلعت الشمس على جبل ثبير سار من منى إلى عرفات ، فإذا وصل إلى نمرة وهي بقرب عرفات وليس منها « أي في جهات مسجد نمرة وقبله بقليل » جلس بنمرة وصلى الظهر والعصر مجموعتين ، ثم يسير من نمرة إلى عرفات للوقوف بها ، فكأن النزول في وادي نمرة الذي هو قبيل عرفات إنما هو للاستراحة وأداء صلاة الظهر والعصر فيه تأهبا واستعدادا للوقوف بعرفة . فعليه لا يبعد أن إبراهيم أو نبينا محمد صلوات اللّه وسلامه عليهما صلى الظهر والعصر في موضع مسجد نمرة بعد أن ضرب لكل منهما قبة أو خيمة ليستظل تحتها ، ثم سار بعد ذلك إلى عرفات للوقوف بها ، فاتخذ الناس موضع مصلاه بنمرة مسجدا واللّه تعالى أعلم بالغيب . ولم نقف على من بنى مسجد نمرة أول مرة ، لكن قال الفاسي في شفاء الغرام عن ذلك ما يأتي : ولم يذكر الأزرقي الوقت الذي بني فيه هذا ، وذكر ابن عبد البر أنه بني هذا المسجد بعد مصير الأمر لبني هاشم بعشر سنين ، هكذا نقله عن ابن عبد البر الشيخ