محمد طاهر الكردي

28

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وبعد فإن فنون الآداب كثيرة الشعوب ، متباينة الأسلوب ، طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جد ومجون ، وكيف لا والحديث ذو شجون . وكنت بحمد اللّه ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب ، وعلى إظهار لطائف لغة العرب ، فتمثل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان والقنديل ، ولا بد من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل ، لأنهما آلتا نور ، ونديما سرور ، طالما مزقا جلباب الدجى بأضوائهما ، وحسما مادة الظلمة بأنوارهما ، وطلعا في سماء المجالس بدورا ، وأخجلا نور الرياض لما أصدرا من جوهرهما نورا . سما كل واحد منهما إلى أنه الأصل وأن بمدحه يحسن الفصل والوصل ، وأنه الجوهرة اليتيمة ، والبدرة التي ليست لها قيمة ، سارت بمحاسنه ركائب الركبان . ونظمت في جيد مجده قلائد العقيان . انظر : الصورتين رقم 145 ، 146 وهي للإنارة بواسطة الشموع والشمعدان التي توضح في كل جانب منه شمعة ثم زجاجة كي لا يطفأها الهواء . فأحببت أن أنظمها في ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة ويظهر نقائص صاحبه الفاضحة ، وليتسنم غارب الاستحقاق بالفضيلة ، ويؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله ، مع أنه لا تقبل الدعاوى إلا بالبرهان ، لعمري لقد قيل قدما : من تحلى بغير ما هو فيه * فضحته شواهد الامتحان فأتلع الشمعدان جيده للمطاولة ، وعرض سمهريه اللجيني للمناضلة . وقال : « استنت الفصال حتى القرعى » . لست بنديم الملوك في المجالس ، كلا ولا الروضة الغّناء للمجالس . طالما أحدقت بي عساكر النظار ، ووقفت في استحسان هياكلي رؤية الأبصار ، وحملت على الرؤوس إذا علقت بأذانك ، وجلبت كحلاء المرهفات إذا اسود وجهك من دخانك . فنضنض لسان القنديل نضنضة الصل ، وارتفع ارتفاع البازي المطل . وقال : إن كان فخرك بمجالسة السلاطين ، فافتخاري بمجالسة أهل الدين طالما طلعت في أفق المحراب بجما ازداد علا ، وازدانت الأماكن المقدسة بشموس أنواري حلا ، جمع شكلي مجموع العناصر ، فعلى مثلي تعقد الخناصر ، يحسبني الرائي جوهرة