محمد طاهر الكردي
29
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
العقد الثمين ، إذ رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين ، ولقد علوتك في المجالس زمانا ، ومن صبر على حر المشقة ارتفع مكانا . فنظر إليه الشمعدان مغضبا ، وهم بأن يكون عن جوابه منكبا . وقال : أين ثمنك من ثمني ، ومسكنك من مسكني صفائحي صفحات الإبريز ، فلذا سموت عليك بالتبريز ، تنزه العيون في حمائلي الذهبية ، وتسر النفوس ببزوغ أنواري الشمسية ، ولا يملكني إلا من أوطنته السعادة مهادها ، وقربت له الرئاسة جيادها ، ولقد نفعت في الصحة والسقم ، وازدادت قيمتي إذا نقصت في القيم إن انفصمت عراك فلا تشعب ، ولا تعاد إلى سبك نار فتصب وتقلب ، لست من فرسان مناظرتي ، ولا من قرناء مفاخرتي . فالتفت القنديل التفات الضرغام ، وفوّق إلى قرينه سهام الملام . وقال : أنت عندي كثعالة ، لا محالة ، طالك العنقود ، فأبرزت أنواع الحقود وأين الثريا من يد المتناول . أم أين السها من كف المتطاول . تاللّه إنك في صرفك بصغرك مغلوط . لقد خصصت بالعلو وخصصت بالهبوط . ترى باطني من ظاهري مشرقا وتخالني لخزائن الأنوار مطلقا ، فحديث سيادتي مسلسل ، وتاج فضائلي بجواهر العلو مكلل . فلحظة الشمعدان بطرف طرفه ، وأرسل في ميدان المناظرة عنان طرفه . وقال : إن افتخارك بالعلو غير مفيد ، ومزية اختصاصك به ليس له أبهة مزيد ، طالما علا القتام وانحطت الفرسان ، ومكث الجمر وسما الدخان ، ولقد صيرتك كنظر المشنوق حاله ، وكضوء السها ذباله ، وأنت الخليق بما قيل ، وقلب بلا لب وأذن بلا سمع وسلاسلك تشعر بعقلك ، وعلوك ينبئ عن غلو إسقاط كمثلك ، عادلت التبر كفة بكفة ، ووزنته إذ كان فيه فقه ، فاصغ لمفاخري الجليلة ، واستمع مناقبي الجميلة . أطارد جيوش الظلماء برمحي ، وأمزق أثواب الديجور بصبحي ، جمع عاملي بين طلع النخل ، وحلاوة النحل ، يتلو سورة النور لساني ، ويقوى في مصادمة عساكر الليل البهيم جناني ، أسامر المليك خلوة ، ويستجلي من محاسني أحسن جلوة وللّه در القائل : أنظر إلى شمعدان شكله عجب * كروضة روضت أزهارها السحب يطارد الليل رمح فيه من ورق * سنانه لهب من دونه الذهب فمثل هذه المناقب تتلى ، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى .