محمد طاهر الكردي

252

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

كافة أجزاء الإمبراطورية البريطانية متّصلة ببعضها برباط البريد الحيّ ، نظير فئة واحدة ، تكون في متناول الجميع ، ولا يعجز عنها الفقير . واسترسل في تعداد ما ستفيده صناعة بريطانيا العظمى وتجارتها من هذا الاختراع الجليل الشأن ، وختم كلامه بأن عرض على جلالتها مربعا صغيرا من الورق الأسود ، يحمل صورتها بالحبر الأحمر . وكان هذا أول طابع في العالم من فئة ( البنس ) أو الأربعة مليمات . وبعد أن فكرت جلالتها طويلا ، والمخترع أمامها لا يبدي حراكا ، في انتظار الحكم السامي ، التفتت إليه ، وقالت : « أظن أن مشروعك معقول وعملي معا . وسأساعدك في مجلس الوزراء ، ولكن هذه الصورة ( مشيرة إلى صورتها بالحبر الأحمر ) يجب أن تكون أجمل مما هي عليه الآن » . وبهذا أثبتت جلالتها أنّها امرأة كما أنها ملكة ، وتحقق حلم هيل ، وجاء اليوم الموعود في 6 مايو سنة ( 1840 م ) الذي عرضت فيه الطوابع فئة أربعة مليمات للبيع ، لأول مرة ، وفي أقل من شهرين تضاعف عدد الخطابات والرسائل ، حتى بعد عشر سنوات صارت عشرة أضعافها . وازدادت إيرادات البريد البريطانية من ( 70 ) ألفا من الجنيهات إلى ( 700 ) ألف من الجنيهات . وما حلّت سنة 1849 حتى كانت طوابع البريد انتشرت في كل مكان ، وبدأت بمدينتي زوريخ وجنيف السويسريتين ، والبرازيل ثم بافاريا وفرنسا ومعظم أقطار أمريكا الشمالية . ولم تمض سنوات قلائل حتى كان هناك ( 200 ) نوعا من طوابع البريد المستعملة . وهنا ظهرت هواية جمع طوابع البريد ، وتفنّن الهواة في ابتكار الحيل الطريفة ، للحصول عليها ، وهنا ساقت المجلّة المذكورة حكايتين : الأولى : تتلخص أنّ أحدهم نشر في جريدة التيمس الإنجليزية ، في أحد أيام سنة ( 1841 ) أنه من هواة الطوابع ، وأنه بلغ من العمر عتيا ، وهو من كبار المثريين ، قد هدّد ابنته الشابة بأنّها إن لم تأته ، في ظرف سنة واحدة ، بخمسين ألفا من طوابع البريد المبصومة بالإمضاء ، فسيزجّ بها في إحدى الأديرة النائية ، مدى الحياة . وكان من مفعول هذا الإعلان أن انهالت الطوابع المختومة بكثرة هائلة ، من جميع أنحاء العالم ، على ابنته ، رحمة بها ومساعدة لها . وبهذه الحيلة جمع الرجل كمية هائلة من طوابع البريد من جميع أنحاء العالم .