محمد طاهر الكردي
235
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
سريان العمران بين الجبال والشعاب في جميع أنحاء مكة وملتوياتها . وفي المثل العربي : « أهل مكة أدرى بشعابها » ، وإليك صورة بعض البيوت التي بين الجبال . انظر : صورة رقم 226 ، بعض البيوت التي بين جبال مكة المكرمة وبعضها مبني بالصنادق ( الأخشاب الملبسة بصفائح التنك ، ولقد كانت المنازل والبيوت بمكة إلى رأس القرن الرابع عشر الهجري ، أي إلى عام ( 1300 ) ، إلى حلقة المعلى ، أي لا تصل إلى مقبرة المعلاة ، بدليلين : الأول : جرت العادة أن تكون حلقة البلدة في خارجها بعد العمران ، « أي السوق العام الذي يباع فيه الخضروات وغيرها بالجملة في الصباح الباكر كل يوم » . والثاني : ما أخبرنا به المعمرون في وقتنا الحاضر عن ذلك ، ولقد ذكر الغازي في تاريخه في الجزء الأول ، بصحيفة ( 316 ) أن سوق بيت الحطب كان بالمدّعى في سنة ( 918 ) ثمان عشرة وتسعمائة ، وهو كلام معقول جدا . وذكر القطبي في تاريخه وهو الذي توفي عام ( 988 ) ثمان وثمانين وتسعمائة هجرية ، أن أحد الشيوخ المعمّرين أخبره أنه شهد الظباء تنزل من جبل أبي قبيس إلى الصفا ، وتدخل إلى المسجد لقلة الناس . فهذه الحكاية ليست ببعيدة ، فإن جهة جبل أبي قبيس وأجياد والمصافي لم تكن آهلة بالناس في ذلك العصر ، أما اليوم فليس في تلك الجهات موضع متر إلا وهو عامر مسكون ، ومن وراء تلك الجهات من فوق الجبال يؤدي إلى جهة منى وهي عامرة بالسكان أيضا . ثم إنه منذ سنة ( 1360 ) ستين وثلاثمائة بعد الألف تقريبا ، سرى العمران في أطراف مكة كلها ، بل في أنحاء جميع المملكة السعودية ، سيرا حثيثا ، ومشى بخطى واسعة ، فأصبحت العمارات الضخمة والمنازل الجميلة والقصور العظيمة على أحدث طراز بمكة المشرفة ، تصل من أعلاها إلى طرف جبل حراء وإلى قرب منى ، وتصل من أسفلها إلى قرب جبل ثور ، ومن ناحية الشبيكة تصل إلى منتهى جرول والطندباوي ، وإلى طريق جدة وإلى ناحية الزاهر والشهداء إلى أن تصل بوادي التنعيم موضع إتيان العمرة . ولم تكن في تلك النواحي عمارات ولا سكن إلّا ما ندر جدا ، فما كانت البيوت تتعدى قشلة جرول ، أما جهة الزاهر فإن أول من بنى فيه بيتا هو أحمد عزت باشا الأرذنجاني ، الذي تولى جدة من طرف الدولة العثمانية سنة ( 1269 )