محمد طاهر الكردي

234

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم ازداد سكان مكة ، شرّفها اللّه تعالى ، فامتدت الدور والمساكن إلى ما فوق هذه الجهات ، وكانت تبنى بدون نظام ولا انسجام ، وكانت متداخلة بعضها ببعض بشكل قد يحجب النور والهواء عن غالبها ، وكانت الأزقة والشوارع ضيقة جدا لتزاحم البيوت في السهل والجبل ، وذلك حتى لا يبتعدوا كثيرا عن محيط البيت الحرام ، ثم امتدت الدور والمساكن الآن ، في أطراف هذا البلد الأمين ، زادها اللّه شرفا وخيرا وأمنا وأمانا ، حتى كادت تصل إلى منتصف حدود الحرم في بعض الجهات . وبمناسبة العمران القائم الآن ، في عصرنا الحاضر ، على قدم وساق ، في أنحاء المملكة العربية السعودية ، أحببنا ذكر امتداد المنازل والبيوت في أطراف مكة المكرمة ، بدون التعرض لامتدادها وكثرتها في بقية المدن ، لأن كتابنا هذا خاص بتاريخ مكة ، ولا بد من ذكر ما كانت مكة من العمران قديما ، للمقارنة بين القديم والحديث على هذا الامتداد في البيوت والعمران بمكة المشرفة قد وصل في بعض جهاتها إلى خمس كيلومترات وفي بعض أكثر من ذلك ، وقد سبق الكلام على أن مكة كانت مسورة ، فنقول وباللّه التوفيق : جاء في تاريخ الغازي ، نقلا عن الفاسي ، الذي توفي سنة ( 832 ) اثنين وثلاثين وثمانمائة ، ما نصّه : وطول مكة من باب المعلاة إلى باب الماجن ، يعني درب اليمن بالمسفلة ، موضع السور الذي كان موجودا في زمانه ، من طريق المدّعى والمسعى ومسيل وادي إبراهيم ، والسوق الذي يقال له الآن : سوق الصغير ، مع ما فيه من دورات ولفتات ليست على الاستقامة ، أربعة آلاف ذراع واثنان وسبعون ذراعا ، بتقديم السين ، بذراع اليد ، وهو ينقص ثمن ذراع عن ذراع الحديد المستعمل الآن ، يعني الذراع الشرعي . وطول مكة من باب المعلاه إلى باب الشبيكة ، من طريق المدّعى ، ثم يعدل عنه إلى سويقه ، ثم إلى الشبيكة أربعة آلاف ذراع ومائة ذراع واثنان وسبعون ذراعا ، بتقديم السين ، بذراع اليد أيضا . انتهى من تاريخ الغازي . نقول : أما عرض مكة فلم يذكره الغازي ، لأن عرضها معروف فهو يمتد من الجبل إلى الجبل والجبال على جانبي مكة متقاربة جدا ، فإن أكثر بيوت مكة واقعة بين الشعاب والجبال ، فإذا قارنا مقدار امتداد العمران في طول مكة ، أمكننا معرفة