محمد طاهر الكردي

233

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم أمر اللّه ، عزّ شأنه ، خليله إبراهيم أن بيني بيته الحرام بمكة ليحج الناس ، فأتى إليها وبناه هو وابنه إسماعيل عليهما السلام بالرضم ، أي بالحجارة فقط من غير طين ، كما تقدم تفصيل ذلك ، ثم كثر الناس وازداد سكان مكة شيئا فشيئا من ذلك العصر إلى اليوم ، وما كانوا يسكنون عند البيت تعظيما له ، وإنما كانوا يبعدون عنه ، فيتخذون منازلهم بين الشعاب والجبال ، حتى كان قصيّ بن كلاب ، الجد الرابع لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجمع القبائل وأمرهم أن بينوا حول البيت الحرام حتى تهابهم الناس ، فما كانت تتجاوز منازلهم حول البيت . ثم لما كثر الناس بعد الإسلام ، وصار المهاجرون يفدون إلى مكة ويقيمون بها ، امتدت البيوت إلى أول المدّعى وأول أجياد وأول الشبيكة وأول المسفلة ، وهذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بعد أن سكن المدينة ، كان إذا جاء مكة لم ينزل في بيوتها ، وإنما ينزل بأعلى مكة جهة الحجون وكانت تضرب قبته بالأبطح ، وكان المحصب مناخ للركبان ، والأبطح والمحصب بأعلى مكة . قال الفاسي بصحيفة ( 13 ) في كتابه « شفاء الغرام » ما ملخصه : ذكر الفاكهي ما يقتضي أن الناس ، فيما مضى ، كانوا لا يتجاوزون في السكنى البئر ، التي عند المسجد ، الذي عند الردم ، بأعلى مكة ، ويقال لها البئر العليا « أي بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل » . وهذه البئر لا زالت إلى اليوم موجودة وبها الماء ، وهو على يمين الصاعد من المدّعى إلى المعلى ، في الزقاق الضيق ، الذي بين مسجد الراية وبين البيت المقابل له . ثم قال الفاكهي : سمعت بعض أهل مكة من الفقهاء يقولون : كان الناس لا يتجاوزون في السكنى من قديم الدهر هذا البئر ، إنما كان الناس فيما دونها إلى المسجد ، وما فوق ذلك خال من الناس . ثم قال أيضا : وسمعت أبا يحيى بن أبي مسرة يقول : كان آخر البيوت عند الردم نحوا من هذا الموضع ، واحتج في ذلك بقول عطاء : إذا جاوز الردم « يعني الحاج » صنع ما شاء اه . والمقصود بالردم ردم عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، وهو برأس المدّعى ، والفاكهي توفي سنة ( 280 ) فيكون من أهل القرن الثالث . قال الفاسي ، المتوفى سنة 832 في كتابه المذكور : وللناس اليوم منازل كثيرة مسكونة فوق هذا المسجد والبئر المشار إليها من جانبي الوادي ، وهي من الجانب الذي يكون على يمين الصاعد من مكة المشرفة . اه .