محمد طاهر الكردي
181
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قالوا : وأول من أحدث المحراب المجوف عمر بن عبد العزيز ، والي المدينة ، في خلافة الوليد بن عبد الملك ، واللّه تعالى أعلم بصحة ذلك ، وإن صح ذلك فما نظن أن عمر عمل محرابا مجوفا ، وإنما وضع في صدر المسجد أي بوسط جداره القبلي علامة ، للدلالة على القبلة ، أخذا من الحديث المتقدم . واللّه تعالى أعلم . وأول من اتخذ المحراب بمصر هو : قرّة بن شريك العبسي ، الذي ولاه على ديار مصر أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك سنة تسعين من الهجرة ، فأقام واليا بها إلى أن مات سنة ست وتسعين . فإن قرة بن شريك أجرى بعض إصلاحات ، في جامع عمرو بن العاص ، الذي بمصر ، بأمر الوليد ، فبناه في سنة ( 93 ) ونصب فيه المنير سنة ( 94 ) ، وعمل فيه المحراب المجوف ، ولم يكن به محراب قبل ذلك ، ثم بعد هذا انتشر عمل المحاريب في المساجد ، أي كان انتشارها في أول المائة الثانية للهجرة . ولم نطلع على ضبط اسم « قرّة بن شريك » والظاهر أنه ، بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة بعدها تاء مربوطة ، وهي كلمة عربية ، وليست ما يقرأها بعضهم : « قرة » بفتحتين ثم هاء ساكنة ، فهذه كلمة تركية معناه « الأسود » واللّه تعالى أعلم . واعلم أنه لم يكن في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في زمنه ، ولا في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة ، محراب قط ، وإنما حدث المحراب في أول المائة الثانية ، وفيه اليوم ستة محاريب ، ذكرها صاحب « مرآة الحرمين » . أما عندنا ، بمكة المشرّفة ، فلا يوجد بالمسجد الحرام محراب ، ولماذا يكون به محراب والكعبة المعظمة قائمة بوسطه ، بجلال نورها ، وعظمة بهائها ، وإليها تتجه جميع محاريب المساجد في الدنيا . وطبعا لم تكن المحاريب ، عند أول حدوثها ، بالصفة التي نراها اليوم في المساجد ، وإنما تطورت أشكالها ، وكثرت أنواعها ، شيئا فشيئا ، بحسب تطور العمران وتقدمه ، كما ذكرنا ذلك عند الكلام على بناء المساجد ، فمن جملة المحاريب المتنوعة : محراب مسجد قصر الحمراء بالأندلس ، فقد ذكر بعض المؤرخين أنه كان بحائطه أحجار ياقوت مرصعة ، في جملة ما نمّق به من الذهب والفضة ، ومحرابه من العاج والإبنوس ، ولقد ألف الإمام السيوطي ، رحمه اللّه تعالى ، رسالة في المحاريب تسمى « أعلام الأديب بحدوث بدعة المحاريب » وهي