محمد طاهر الكردي
175
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أشكالها وصورها وأحجامها وقياساتها ، وأخذ كل قطر منها طابعا خاصّا ، فمنها الطويلة الرشيقة ، ومنها الغليظة المريحة ، ومنها الثقيلة الراسية ، ومنها الباسقة الثابتة ، ومنها القصيرة القائمة ، ومنها ما هو طبقة واحدة ، ومنها طبقتان ومنها ثلاث طبقات ، ومنها دائرية أسطوانية الشكل ، ومنها مربعة النوع ، ومنها برأس واحد مخروطي مستدق ، ومنها برأسين متفرعين من الأعلى ، ومنها ما درجها في بطنها وهو الغالب الكثير ، ومنها ما درجها من خارجها وهو نادر وقديم العهد كمنارة جامع طولون بالقاهرة ، ومنها منارة بدرجين أي ( سلمين ) فيما بين دورتيها أي ( طبقتيها ) الأولى والثانية فلا يرى الصاعد في أحدهما الآخر وهذا من الفنون الدقيقة في العمارة الإسلامية ، وهي المنارة التي أمر ببنائها السلطان قانصوه الغوري بالجامع الأزهر ، إلى غير ذلك من الأشكال والأنواع التي لا حصر لها . وفي الديار المصرية اليوم كثير من أنواع المآذن القديمة والحديثة ، وكل منها تحفة رائعة قائمة بذاتها ، لسنا بصدد ذكرها ، وإليك بعض المآذن المختلفة . انظر : الصور أرقام 204 لمئذنة جامع المتوكل ، ورقم 205 للمؤذن وهو فوق المنارة ، ورقم 206 لأول مسجد في العالم . ومن أعجب المآذن والمنارات ، ما رواه ابن بطوطة ، في رحلته ، التي كانت سنة ( 725 ) خمس وعشرين وسبعمائة هجرية ، بصحيفة 116 من الجزء الأول : فإنه لما دخل البصرة وجد أهلها يصلون الجمعة بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي اللّه تعالى عنه ، وهو على ميلين من البصرة ، فإذا صلوها يقفلون المسجد ، فلا يأتونه إلا في الجمعة الأخرى ، وهذا المسجد من أحسن المساجد . قال ابن بطوطة : ولهذا المسجد سبع صوامع ، أحدها الصومعة التي تتحرك بزعمهم عند ذكر علي ابن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد ، ومعي بعض أهل البصرة ، فوجدت في ركن من أركانها ، مقبض خشب مسمرا فيها ، كأنه مقبض مملسة البناء ، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال : بحق رأس أمير المؤمنين علي ، رضي اللّه عنه ، تحرّكي ، وهزّ المقبض ، فتحركت الصومعة ، فجعلت أنا يدي في المقبض ، وقلت له ، وأنا أقول : بحق رأس أبي بكر ، خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحركي وهززت المقبض فتحركت الصومعة ، فعجبوا من ذلك ، وأهل البصرة على مذهب السنة والجماعة ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم .