محمد طاهر الكردي

176

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم قال ابن بطوطة ، بعد سطرين من هذا الكلام ما يأتي : قال ابن جزى : قد عاينت بمدينة برشانة ، من وادي المنصورة من بلاد الأندلس ، حاطها اللّه ، صومعة تهتز من غير أن يذكر لها أحد الخلفاء أو سواهم ، وفي صومعة المسجد الأعظم ، وبناؤها ليس بالقديم ، وهي كأحسن ما رأيت أنت من الصوامع ، من حسن منظر ، واعتدال وارتفاع لا ميل فيها ولا زيغ ، صعدت إليها مرة ، ومعي جماعة من الناس ، فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزّوها فاهتزّت ، حتى أشرت إليهم أن يكفوا فكفوا عن هزّها . انتهى من رحلة ابن بطوطة . ومثل الحكاية المتقدمة : أنه توجد إلى اليوم في بلدة أصفهان الشهيرة ، في بلاد إيران ، في أحد مساجدها منارتان متقابلتان يرجع بناؤهما إلى بضع مئات السنين ، تهتزّان معا إذا هزّ شخص إحداهما بعصا ، في المكان الذي يقف فيه المؤذن ، ولا يعرف سرّ هاتين المنارتين أحد ، من أهل أصفهان أو غيرهم ، وهاتان المنارتان أعجب من المنارتين السابقتين ، لأنهما تهتزان معا إذا اهتزت إحداهما ، فهما متعلقتان ببعضهما في الاهتزاز ، مع أن كل واحدة منهما قائمة بذاتها في البناء ، وهذا من أدق فن المعمار ، الذي لا يهتدي إلى عمل مثلهما كل فنان . فسبحان الذي علّم الإنسان ما لم يعلم . وقد ذكر ابن جبير في رحلته ، منارة القرون ، لكنها ليست منارة مسجد يؤذن فيه بل هي كمنارة الإسكندرية ، التي بناها الإسكندر أي عبارة عن عمود واقف كما يفهم من كلامه . وهذا نصّه : ثم نزلنا ضحوة اليوم المذكور ، بمنارة تعرف بمنارة القرون ، وهي منارة في بيداء من الأرض ، لا بناء حولها ، قد قامت في الأرض كأنها عمود مخروط من الآجر ، قد تداخل منها من الخواتيم الآجرية مثمنة ومربعة أشكال بديعة ومن غريب أمرها أنها مجلّلة كلها قرون غزلان مثبتة فيها ، فتلوح كظهر الشيهم ، وللناس فيها خبر يمنع سنده من إثباته . انتهى كلامه . وهذه المنارة واقعة قبل مدينة النجف بيوم واحد . وعطفا على ما تقدم نذكر هنا وصف منارة مسجد إشبيلية بالأندلس ، ناقلين من كتاب « رحلة الأندلس » للأستاذ البتنوني ، وهو المسجد الذي كان بها قبل استيلاء سان فرديناند عليها في سنة ( 1248 ) ميلادية ، ولم يبق منه الآن سوى صحنه ومنارته ، فقد جاء فيه ما نصّه :