محمد طاهر الكردي
17
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الشعراء يتغزلون بالشموع ويقولون عنها : " إنها تلك الحبيبة الرقيقة التي يذوب جسدها في قطرات من الدموع المحرقة ولكنها تظل وفية مضيئة حتى آخر رمق من حياتها " . ويشبه الناس من يتعب نفسه لخدمة غيره ، بالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها . قال الأزرقي في تاريخه عند ذرع مسجد المزدلفة : والكلام على قزح وهو أكمة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة المزدلفة وكانت قبل ذلك توقد عليها النار بالحطب فلما مات هارون الرشيد أمير المؤمنين كانوا يضعون عليها مصابيح كبار يسرج فيها بفتل جلال فكان ضوؤها يبلغ مكانا بعيدا ثم صارت اليوم توقد عليها مصابيح صغار وفتل رقاق ليلة المزدلفة . انتهى من الأزرقي . نقول : والشمعة كانت توضع في آنية خاصة جوانبها كلها زجاج وأسفلها وأعلاها من الصفيح " التنك " حتى لا تطفئها الهواء وتسمى هذه الآنية " بالفانوس " وقد تفنّن الناس في اختراع أنواع الفوانيس بأشكال مزخرفة بديعة قد تبلغ مئات الأنواع . ثم بعضهم يضع في الفوانيس لمبات الكاز بدلا من الشمع ، وبعض الفوانيس خاصة للمبات الكاز فقط وتسمى بالفوانيس الهندية ، وقد سبق أن ذكرنا التسريج بالشمع في داخل " اللاله " وقد كان الطلبة يستعملونها ليلا عند حضورهم للدرس في المسجد الحرام . وإليك صورة بعض هذه الأنواع . انظر : الصور أرقام 140 ، 141 ، 142 ، 143 ، 144 ، وهي لقمرية ، وبعض أنواع الأتاريك والفوانيس التي كان الحرم يضاء بها قديما ، بعضها يضاء بالقاز والبعض الآخر بالشموع . الثالث : الزيت ، وهو أيضا وسيلة سهلة للإضاءة تأتي في الدرجة الثالثة لأنه مستخرج من بعض الحبوب كالسمسم وبعض الثمار كالزيتون ، والإضاءة به قديمة العهد أيضا . فقد قال اللّه تعالى في سورة النور : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ روي أن أول من استصبح الحرم فأجرى له