محمد طاهر الكردي
165
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ويطلقون أحيانا على ما كان مبنيا بهذه الصفة كلمة « المدرسة » وقد يلحق ببعضها سبيل ماء لشرب المارّة ، وكتّاب لتحفيظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة ، وقد ذكروا أن الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب ، مؤسس الدولة الكردية ، هو أول من بنى دارا للحديث ، وبنى في كثير من البلدان مكاتب « كتاتيب » للأيتام وقرر ، لهم ولمعلميهم ، مرتبات وافرة . يقول الأستاذ محمد لبيب البتنوني مؤلف « الرحلة الأندلسية » فيها ما يأتي : إن المساجد كانت ولا تزال في الدول الإسلامية تستعمل مدارس للعلوم المختلفة ، كما هو الشأن ، إلى الآن ، في الحرمين الشريفين بمكة والمدينة والأزهر بمصر ، والمسجد الجامع ببغداد ، والمسجد الأموي بدمشق ، وجامع الزيتون بتونس ، ومسجد الكتبية بمراكش ، وجامعي السلطان أحمد والسلطان محمد بالآستانة ، ومسجد عمر بالقدس . انتهى . نقول : وقد أنشأ العثمانيون ، حول المسجد الحرام ، مدارس لتدرس فيها العلوم المختلفة ، منذ القرن التاسع الهجري ، وجعلوا ، لأساتذتها وطلبتها وموظفيها ، مرتبات شهرية وأوقافات مرصودة سنوية ، ولا تزال إلى اليوم هذه المدارس باقية ، لكنها غير مخصصة للتدريس ، بل بعضها تشغلها المحاكم ، وبعضها فيها مكتبة الحرم المكي ، وهي واقعة من جهة باب الزيادة إلى باب الدربية ، وكذلك توجد مثلها في جهة أخرى حول المسجد الحرام ، لكنها شغلت بالسكن لا بالتدريس ، وقد تكلم عنها مؤرخو مكة . أما كيفية بناء المساجد : فهي تابعة للتطورات المدنية والتقدمات العمرانية والعادات القومية في البلدان والممالك ، فقد كان بناء أساس مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحجارة ، وكان أساسه قريبا من ثلاثة أذرع ، أما جداره فبنيت باللبن ، وكانت أعمدته من جذوع النخل ، وسقفه من الجريد ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يبني مع المسلمين وينقل اللبن والحجارة ، ويقول : « اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة » . فهذا المسجد النبوي الشريف ، بني في ذلك الزمن ، كعادة أهله في بناء بيوتهم ومنازلهم ، ثم تطور الأمر حتى صار بناؤه اليوم كما نراه ، فكيفية بناء المساجد تابعة للتطورات العمرانية ، وهل يليق بنا ، ونحن في هذا العصر الحديث ، عصر الآلات الميكانيكية وعصر الكهرباء ، وعصر الذهب والفضة ، وعصر البناء في الماء