محمد طاهر الكردي
166
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والطيران في السماء ، أن نبني بيوتنا ومنازلنا وقصورنا بالمرمر والرخام والبللور البراق ، ونزينها بالذهب والفضة ، ونزخرفها بالنقوش البديعة ، ثم نبني المساجد ، بيوت اللّه الكبير المتعال ، التي يذكر فيها اسمه ، باللبن والطين والحجارة الصماء وجذوع النخل والجريد ، وأن نوقد فيه زيتا وفتيلا ، بينما نضيء منازلنا بالأنوار الكهربائية ؟ لا واللّه لا يليق بنا ذلك ، وإن كان اللّه ، عز شأنه ، غني عن كل ذلك ، وعن عبادتنا أيضا ، فإنه تعالى ينظر إلى قلوبنا ولا ينظر إلى صورنا ، ولكن ما أجمل طهارة الباطن ونظافة الظاهر ، فالتجانس والتقارب ، بين بناء بيوتنا وبناء بيوت اللّه ، مطلوب معقول ، بحسب التطورات في كل عصر وعادات كل بلدة . وهذا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما لما احترقت الكعبة وضعفت جدرانها ، جمع وجوه الناس وأشرافهم فشاورهم في هدم الكعبة ، فأشار عليه بعضهم بهدمها ، وأبى أكثر الناس هدمها ، وكان أشدهم عليه إباء عبد اللّه بن عباس ، رضي اللّه عنهما ، وقال له : دعها على ما أقرها عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها ، فلا تزال تهدم وتبني ، فيتهاون الناس في حرمتها ولكن أرقعها . فقال ابن الزبير : « واللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه فكيف أرقع بيت اللّه سبحانه وتعالى ؟ » ثم إنه هدمها وبناها أحسن البناء . ومثل هذا أيضا ، حينما احترقت الكعبة ، زمن قريش ، فأرادوا بناءها ، لكنهم هابوا أن يهدموها ، فقال لهم الوليد بن المغيرة : أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة ؟ قالوا : بل نريد الإصلاح ، قال : فإن اللّه لا يهلك المصلحين ، ثم ارتقى الوليد ، قبل قريش على الكعبة ، ومعه الفأس يهدمها ، ويقول : اللهم لا نريد إلا الإصلاح . ثم تبعه قريش فهدموا معه . فيؤخذ مما تقدم ، أن إصلاح أيّ شيء وإتقان أيّ عمل ، بنية حسنة ، مطلوب شرعا ، ولا حرج في إدخال تحسينات على أمر لم تكن عليه من قبل ، ما لم يكن هناك منع صريح في ذلك ، فالمظاهر لها حكم قوي ، فكما يجب إصلاح الباطن يلزم تجميل الظاهر ، فملك بدون مشاعر الملك لا يهاب ، وإدارة حكومية بدون فخامة مظهرها لا تعتبر ، وإنسان بدون أن يتجمل بالثياب لا يحترم ولا تكون له مكانة ، وبالأخص في زماننا هذا ، نسأل اللّه السلامة عن خزي الدنيا والآخرة .