محمد طاهر الكردي

106

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

والصخور العالية ، وهي تمتد أو تتقلص ، فكان يكتفي بأن يغرس عصا في الأرض ، ثم يضع من حولها حصيات على مسافات معيّنة ، بحيث يمر عليها ظل العصا شيئا فشيئا ، وبذلك كان يستطيع أن يعيّن الوقت من النهار ، وكانت هذه أول خطوة نحو اختراع الساعة . وكانت الخطوة الثانية ، ولم تأت إلا بعد انقضاء عدة قرون ، هي صنع الساعة الشمسية ، وهي عبارة عن رقعة ترسم فيها دوائر مقسّمة تقسيما هندسيا ، وفي وسطها قضيب رفيع ، يقع ظل طرفه على هذه الدوائر ، واحدة فواحدة ، تبعا لحركة سير الشمس ، وكان هذا هو البدء الحقيقي في عمل الساعة ، التي تطورت على مر الأجيال ، حتى صارت إلى ما هي عليه اليوم . لكن الساعة الشمسية لا يمكن أن يعرف بها إلا عدد ساعات النهار ، في حالة صفاء الجو ، أما إذا غامت السماء ، فإنها تكون عديمة الفائدة . ولما تدرّج الإنسان في سلم المدنيّة شعر بحاجته إلى آلة تضبط الأوقات بدقة وعلى جميع الحالات ، فجاء دور الساعة المائية « سيليبرا » وهي عبارة عن جرة تملأ ماء ، ولها ثقب صغير في أسفلها ، بحيث ينزل منها الماء قطرة فقطرة على نسب مخصوصة ، فإذا ما نفد الماء عرف مقدار الزمن ، الذي انقضى ، من حين ملئت الجرة إلى حين فرغت ، على حسب حجمها . ثم زيد في هذا الاختراع أن اتخذت جرتان : الواحدة ، وهي ذات الثقب ، فوق أخرى أكبر منها . وجعل في الجرة السفلى عمود مقسم إلى درجات ، وبجانبه شارة ( عقرب ) من جسم خفيف كالفلين ، فإذا ما أخذ الماء يتجمع ، في هذه الجرة السفلى ، ويرتفع حمل الشارة معه تدريجيا وبذلك يمكن تعيين الوقت . غير أنه ظهر أن هذه الساعة المائية لا تنفع إلا في المناطق الحارة ، أما في المناطق الباردة ، التي يتجمد فيها الماء في فصل الشتاء ، فإنها تكون عديمة الفائدة أيضا . وحينئذ ظهرت الساعة الرملية ، التي لا يزال لها بقايا مستعملة إلى هذه الأيام ، وما زلنا نراها في الصورة المأخوذة عن الجيل الماضي مقرونة إلى ذلك المنجل الكبير الغليظ . ولسنا نستطيع أن نحدد بالضبط العصر الذي صنعت فيه ساعة ذات دواليب وميناء . والراجح أن ذلك كان في القرن الثاني عشر للميلاد . وقد تقدمت العلوم بسرعة ، ففي سنة 1288 كانت قد ركبت ساعة كبيرة في أحد أبراج وستمنستر ، وفي سنة 1336 كان رئيس دير القديس « سانت البانس » قد زيّن