محمد طاهر الكردي
22
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والثروة والخصب ، على إثر انتقال الصفوة الممتازة من قريش إلى الأمصار ، بثرواتهم وأموالهم وكفاءتهم يتبعون مواطن الخلافة خارج الجزيرة . انتهى من " تاريخ مكة " للسباعي . مكة في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ويقول صديقنا الأستاذ السباعي في أوائل كتابه المذكور بعد ما تقدم ، عن مكة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يأتي : كانت حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم نقطة تحول في تاريخ مكة ، بل كانت بلغة أوضح من هذا فاصلا بدأت به عهدها الجديد ، كقبلة يتوجه إليها الملايين من المسلمين في كل يوم خمس مرات ، ومحجة يهرع إليها مئات الألوف في كل عام من شتى أصقاع الأرض . ونحن إذ نكتب هذا عن هذه الفترة الفاصلة من تاريخ مكة وتتابع أحداث البعثة فيها ، لا أعتقد أننا مطالبون بالتفصيلات الطويلة التي توسع فيها كتاب السيرة ، لأن المظان الخاصة بهذا حافلة بالكثير الذي لا نطمع إلى مزيد فيه ، وبحسبنا أن نمر هنا بالحوادث مرورا سريعا لا نهدف فيه إلا إلى ربط الحوادث العامة وتسلسل نتائجها . بعثة النبي : بعث النبي في وسط كانت العقلية سائدة فيه رغم نضجها الذي ذكرناه ، لا تحجر على متع الحياة ولا تفرض سلطانا على مستبيح في اللذة ، وكانت القيم الأخلاقية تزن الأشياء بمعايير خاصة ، فليس من السمو الإنساني في مقاييسها أن تهادن في عصبية ، أو أن تنحاز إلى غير قومك مهما كان ظلمهم ، أو أن تنسى ثأرك مهما كان لونه ، أو تسلم بقاعدة يكون الفخر فيها لغير بني أبيك . بعث النبي في وسط يعتنق هذه المبادئ ويدين بها كما يدين العابد بأقدس ما يعتقد ، فلم يكن على النبي أن يقاوم ما عبدوا من أوثان أو نسكوا من نسك ضال فقط ، بل عليه أن يصمد لهذه القيم الأخلاقية التي تسود المجتمع حوله ، والتي لا تستسيغ الوحدة تضيع فيها معالم القبيلة . بعث النبي من بني هاشم فأي دعوة هذه الذي ينقاد إليها بنو عبد مناف ، وبنو زهرة ، وبنو تميم ، وبنو مخزوم ، وبنو أسد ، وسائر البطون من قريش والقبائل