محمد طاهر الكردي
23
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
من كنانة ، إنها الاستهانة بكيان الأفخاذ وأمجادها في عرفهم ، وإنها الاستكانة لداع سيحوز الفخر لبني هاشم دونه ، فما بالهم لا يقاومون وما بال هذه القيم الأخلاقية الفاسدة لا تعارض فيما يضاد عرفها ، ما بالها لا تتكبر على الدعوة وتكابر في الحق ضنا بكيان الفخذ أو البطن أو القبيلة ومجافاة لهذا الإعداد الذي سيصهرهم غدا في بوتقة تنسيهم تراث آبائهم وتضيع معالمهم . بهذا العنت قوبل النبي في فجر دعوته ، وعن هذه البواعث حورب في الصور والأشكال التي نجدها في مظانها من كتب السير ، والتي لا نستدل منها إذا أردنا الاستدلال إلا على التعصب والحزبية لأوضاع القبيلة والفخذ واحتمل النبي صلى اللّه عليه وسلم ما لا يحتمله إلا صاحب عقيدة راسخة ، ثم وجد أول ما وجد في مكة من استجاب لدعوته من الأفذاذ الذين تسمو عقولهم على ما ورثوا من أوضاع ، وترتفع بهم نفوسهم عن المكابرة إذا أبلج الحق ، والأفذاذ من هذا النوع ندرة لا يظفر التاريخ بها إلا فيما قل - فلا عجب إذا رأيناهم حول أول ما نراهم ، أقلية لا يعدون أصابع اليد . ويسفر الدين الجديد عن تعاليم جديدة ، فإذا في هذا الدين دعوة إلى التكتل ونسيان القبيلة ، وإذا في الدين حد للإباحية المطلقة ، وإذا فيه كبح للذائذ والشهوات ، وإذا فيه تحليل وتحريم ، فأية أخلاق منحلة تقوى على التوحيد والتكتل ، وأية فوضى تحتمل التحديد والكبح ، إنه اختبار لا ينجح فيه شهواني ، وإنها خطوة لا يستطيع أن يخطوها إلا وجدان عامر بغير الأهواء التي كان يعمر بها الوجدان في القبائل من قريش ومن حولها . لابد إذا لهذا التعصب من أن يستعر أواره ، ولابد للمقاومة من أن تنشط للدفاع ، لابد أن يجتمع إلى عامل المحافظة على كيان القبيلة عوامل أخرى ، مبعثها قداسة التقاليد الموروثة ، والذود عن حظوظهم في الدعارة الشائعة والإباحية المطلقة . هذه العوامل تضافرت على شخص واحد لا يملك إلا يقينه وإلا صبره وإلا بضعة نفر مستضعفين ، تطاردهم قريش وتعذب بعضهم بالجلد والحجارة المحماة . ولم تقتصر المقاومة على حدودها في قبائل مكة فقد بثوا حوله العيون ، تترصده في المواسم كلما اتصل بقبيلة . أو بث دعوته في قوم ، أو التجأ بزوار ، تضييقا عليه وفتا في عضده . انتهى من الكتاب المذكور .