محمد طاهر الكردي
95
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قال النعمان : بعزها ومنعتها ، وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها ، وشدة عقولها وأنفتها ووفائها . فأما عزها ومنعتها ، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ، ووطدوا الملك ، وقادوا الجند ، لم يطمع فيهم طامع ، ولم ينلهم نائل ، حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض ، وسقوفهم السماء ، وجنتهم السيوف ، وعدتهم الصبر - إذ غيرها من الأمم ، إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور . وأما حسن وجوهها وألوانها ، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة ، والصين المنحفة ، والترك المشوهة ، والروم المقشرة . وأما أنسابها وأحسابها ، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها ، حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأبا . حاطوا بذلك أحسابهم ، وحفظوا به أنسابهم ، فلا يدخل في غير قومه ، ولا ينتسب إلى غير نسبه ، ولا يدعى إلى غير أبيه . وأما سخاؤها : فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والثّاب ، عليها بلاغة في حموله ، وشبعه وريه ، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة ، فيعقرها له ، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها ، فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر . وأما حكمة ألسنتهم : فإن اللّه تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه ، وقوافيه ، مع معرفتهم بالأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم من الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس - ثم خيلهم أفضل الخيل ، ونساؤهم أعف النساء ، ولباسهم أفضل اللباس ، ومعادنهم الذهب والفضة ، وحجارة جبالهم الجزع ، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ، ولا يقطع بمثلها بلد قفر . وأما دينها وشريعتها : فإنهم متمسكون به ، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما محرما ، وبيتا محجوجا ، ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم ، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه ، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه ، فيحجزه كرمه ، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى .