محمد طاهر الكردي

96

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأما وفاؤها : فإن أحدهم يلحظ اللحظة ، ويومئ الإيماءة ، فهي ولت ( أي عهد ) وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه ، وإن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه ، فلا يغلق رهنه ، ولا تخفر ذمته ، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به ، وعسى أن يكون نائيا عن داره فيصاب ، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته ، أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره ، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة ، فتكون أنفسهم دون نفسه ، وأموالهم دون ماله . وأما قولك أيها الملك : يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج . وأما قولك : إن أفضل طعامهم من لحوم الإبل على ما وصفت منها ، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له ، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها ، فكانت مراكبهم وطعامهم ، مع أنها أكثر البهائم شحوما ، وأطيبها لحوما ، وأرقها ألبانا ، وأقلّها غائلة ، وأحلاها مضغة ، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه . وأما تحاربهم وأكل بعضهم وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا ، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف ، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم ، فيلقون إليهم أمورهم ، وينقادون لهم بأزمتهم . وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم ، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث ( أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض ) بالعسف . وأما اليمن التي وصفها الملك ، فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك متسّق ، وأمر مجتمع ، فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا ، ولو ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال ، ولوجد من يجيد الطعان ، ويغضب للأحرار ، من غلبة العبيد الأشرار . قال : فعجب كسرى لما أجابه النعمان به ، وقال : إنك لأهل لموضعك من الرئاسة في أهل إقليمك . ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة .