محمد طاهر الكردي
94
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وأن لها دينا بيين حلالها وحرامها ، ويرد سفيهها ويقيم جاهلها - ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها ، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها ، وعجيب صناعتها ، وطيب أشجارها ، ودقيق حسابها ، وكثرة عددها ، وكذلك الصين في اجتماعها ، وكثرة صناعات أيديها ، وفروسيتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وأن لها ملكا يجمعها - والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش ، وقلة الريف والثمار والحصون ، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم - ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ، ولا حزم ولا قوة ، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها ، وصغر همتها ، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة ، والطير الحائرة ، يقتلون أولادهم من الفاقة ، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة ، قد خرجوا من مطامع الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها . فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها ، وسوء طعمها ، وخوف دائها ، وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة ، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة ، تنطق بذلك أشعارهم ، وتفتخر بذلك رجالهم ( ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ، ومنعها من عدوها ، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا ، وإن لها مع ذلك آثارا ولبوسا وقرى وحصونا وأمورا تشبه بعض أمور الناس ) . يعني : اليمن . ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من المذلة ، والقلة ، والفاقة ، والبؤس حتى تفتخروا ، وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس . قال النعمان : أصلح للّه الملك . حق لأمة ، الملك منها أن يسمو فضلها ، ويعظم خطبها ، وتعلو درجتها ، إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ، ولا تكذيب له ، فإن أمنني من غضبه نطقت به . قال كسرى : قل فأنت آمن . قال النعمان : أما أمتك أيها الملك : فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به ، من عقولها وأحلامها وبسطة محلها ، وبحبوحة عزها ، وما أكرمها اللّه به من ولاية آبائك وولايتك ، وأما الأمم التي ذكرت فأية أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها . قال كسرى : بماذا ؟