محمد طاهر الكردي

84

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أما اللغة فهي في انحطاط عظيم عن ذي قبل ، وإن كان الكلام في عامة البدو أصح منه في سائر البلاد التي غلبت فيها اللغة العربية ، فاللفظ أضبط والكلام نقي من خليط الألفاظ الأعجمية . القسم الثاني : البدو المتحضرون ، ويقال فيهم ما قيل عن البدو ، غير أن حظهم من سعة العيش أوفر ، فلا تحوجهم قلة المياه إلى الرحيل بل ينزلون على مجاري الأنهر الكبيرة ويقيمون في بيوتهم الشعرية أو أكواخهم المصنوعة من القصب وجريد النخل والبردى ، يزرعون ما جاورهم من الأرض ، والذين قدم عهدهم بالزراعة كادوا يتحضرون وتحضر منهم كثيرون فيما مر من الأيام فتدرجوا من سكنى الخيام إلى الطرف المبنية من سعف النخل وغيره ، ومنها إلى بيوت الآجر . القسم الثالث : الحضر ، وهم أهل الأمصار والمدن منهم ، ويصح فيهم الآن ما قاله عنهم ابن خلدون منذ سنين من أنهم قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر ، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على حب المال والكذب والشهوات حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم ، فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة ، لما أخذتهم به عوائد السوء من التظاهر بالفواحش قولا وعملا ، وبالجملة فهم أهل غدر ومكر وخدبعة ونقض عهد . ا ه . على أن هذا الوصف لا ينطبق على كل أهل المدن والأمصار ، فإن المسلم الورع منهم على غير ما ذكر ، فهو ذو صفات حميدة : منها أنه كثير الصدقات والزكاة ، مواظب على العمل ، عفيف النفس ، طاهر الذيل ، قائم بشعائر الدين . تاريخ العرب قبل الإسلام جاء في كتاب " تاريخ العرب وآدابهم " المتقدم ذكره ما يأتي : العصر الأول - تاريخ العرب قبل الإسلام : لا تزال الأخبار عما تقادم من ذلك التاريخ مستترة وراء حجاب القدم ، إذ لا يكاد يوقف منها على حقيقة يوثق بها ولا سيما ما كان منها أبعد عهدا ، والمؤرخون من اليونان والرومان لم يوردوا من أخبارها إلا لمعة خفيفة عن المعاملات التجارية والحروب التي كانت بينهم وبين