محمد طاهر الكردي

83

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

مستصحبين ماشيتهم وبيوتهم ، وهم على كلتا الحالتين لا ينقطعون عن مخالطة الحضر لبيع ما لديهم وشراء ما احتاجوا إليه من مأكول وملبوس ، والبدو من أحرص الناس على ما ورثوه من العرف والعادات إذ ما فتئوا على فطرتهم بما اتصفوا به قبل الإسلام من الحسنات والسيئات ، وقد أصاب بورك هارك في وصفه البدو إذ قال : يمتاز البدو بحب الضيافة والكرم وحفظ الذمام ورعاية الغريب ، والشهامة والحماسة والذكاء وخفة الروح والقناعة ، وحب البدو للحرية يحمله على احتقار أهل الحضر فإنه بمعاملتهم قد تعلم منهم الخداع والمكر . ا ه . ومع أن البدوي موصوف بخشونة الطباع والعناد ، فهو جامع لرقة الإحساس ودقة الإدراك ، ولا يزال بين البدو حتى الآن بقية يدينون بدين أسلافهم ، ويعبدون الحجارة والأشجار والأفلاك ، وملابس البدو خرقة شبيهة بالمنديل تعرف بالكوفية والعقال للرأس ، والقميص الطويل يشده بحبل على وسطه ، ولبس العباءة فوق الثوب ، أما البدويات فهن في البادية أكثر عددا من الرجال ، وبالطبع ألين جانبا وأرأف طبعا ، ولسن مع ذلك دون الرجال نخوة وشهامة ، وأخلاقهن بالجملة حسنة ، وخير ما يزينهن عزة النفس وأنفة الحمية وقيامهن مقام الرجال في أكثر الأعمال . وأخذ الثأر عند البدو مشهور من قبل الإسلام ، وهو لا يزال حتى الآن وكثيرا ما يكون السبب في العداوة بين قبيلة وأخرى بحيث يفضي بينهما الأمر إلى الحرب إلا إنه يعوض عن الدم بالدية في بعض الأحيان . ومن البدو عدد ليس بقليل يتعاطون السلب والنهب ، وكثيرا ما يسلبون قوافل الحجاج أو يلزمونهم بدفع العوض ، ويستعملون في غزواتهم وحروبهم السيف والطير والرمح ، وأكثر اعتمادهم على الرماح ، وقد كثر الآن استعمال البنادق عندهم . أما الأحكام في البادية فموكولة إلى الشيوخ والأمراء وهي تمثل مبادئ الحكم الفطري ، فالقوة لمن غلب ، وتتبعها الثروة والنفوذ . يرضون بما يشاؤون معتمدين على الشرع المعروف والعرف المشروع ، وليس لهم قوانين مكتوبة ومجالس معقودة ، ومع ذلك يقوم العرف أحيانا مقام القانون النافذ ، فيرجعون بالتقاضي إليه ، وإن اختلفوا في أمر أشكل عليهم رفعوا أمرهم إلى العرفاء ، والعريف عندهم بمنزلة القاضي يحكم بما عرفه بالاختبار مما جرى عليه العرب في كل زمان ، وهو مقام الفيصل أو الفاروق في العهد القديم وله عنده منزلة كبرى .