محمد طاهر الكردي

569

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

( ثم تنازع هؤلاء ) بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأسماء تقربا إلى اللّه بذلك ، ثم تنازعوا برهة من الزمان ( ونشأ عمرو بن لحي ) فساد قومه بمكة ، واستولى على أمر البيت ، ثم سار إلى مدينة البلقاء من عمل دمشق من أرض الشام ، فرأى قوما يعبدون الأصنام ، فسألهم عنها فقالوا : هذه أرباب نتخذها ، نستنصر بها فننصر ، ونستسقي بها فنسقى ، وكل من سألها يعطى ، فطلب منهم صنما يدعونه " هبل " فسار به إلى مكة ونصبه على الكعبة ، ومعه " إساف ونائلة " ، ودعا الناس إلى تعظيمها وعبادتها ، ففعلوا ذلك ، إلى أن أظهر اللّه الإسلام ، وبعث محمدا عليه السلام فطهر البلاد وأنقذ العباد . ( وقد قال هؤلاء ) إن البيت الحرام من البيوت السبعة المعظمة المتخذة على أسماء الكواكب من النيرين والخمسة . ( وبيت ثان ) معظم على رأس جبل بأصبهان يقال له " مارس " وكانت فيه أصنام ، إلى أن أخرجها منه بستاسف الملك لما تمجس ، وجعله بيت ناره وذلك على ثلاثة فراسخ من أصبهان ، وهذا البيت معظم عند المجوس إلى هذه الغاية . ( والبيت الثالث ) يدعى " سندوساب " ببلاد الهند ، وله قرابين تقرب ، وفيه أحجار المغناطيس الجاذبة والرافعة والمنفردة من أوصاف لا يسعنا الإخبار عنها ، فمن أراد أن يبحث عن ذكرها فليبحث فإنه بيت مشهور ببلاد الهند . ( والبيت الرابع ) هو " النوبهار " الذي بناه منوشهر بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر ، وكان من يلي سداتنه تعظمه الملوك في ذلك الصقع ، وتنقاد إلى أمره وترجع إلى حكمه وتحمل إليه الأموال ، وكانت عليه وقوف ، وكان الموكل بسدانته يدعى " البرمك " وهو سمة عامة لكل سدنته ، ومن أجل ذلك سميت البرامكة لأن خالد بن برمك كان من ولد من كان على هذا البيت ، وكان بنيان هذا البيت من أعلى البنيان تشييدا ، وكان تنصب على أعلاه الرماح عليها شقاق الحرير الأخضر ، طول الشقة مائة ذراع فما دونها ، قد نصب لذلك رماح وخشب تدفع قوة الريح بما عليها من الحرير . فيقال واللّه أعلم : أن الريح خطفت يوما من بعض تلك الشقاق ورمت به ، فأصيب على مسافة خمسين فرسخا ، وقيل : أكثر من تلك المسافة ، وهذا يدل على زيادته في الجو وتشييد بنيانه ، وكانت مسافة البحر المحيط بهذا البنيان أميالا لم نذكرها إذ كان أمر ذلك مشهورا من وصف علو السور وعرضه .