محمد طاهر الكردي

565

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فلما رأوه من تلك الليلة أقبلوا عليه يسألونه من أين جاء ، ومن عسى أن يكون ؟ فلا يرد على سؤالهم هذا جوابا ، وإنما يقول لهم في صوت نحيف بعيد : " لقد أخذت النذر تتحقق يا معشر قريش . ألم أنهكم عن أن تحكموا بينكم رجلا كان أصغركم سنا ، وأقلكم مالا ، وأشدكم إعراضا عن آلهتكم ، وأبعدكم من الاحتفاء بهم والإكرام لهم ، فقد أبيتم إلا أن تفعلوا ، وغضبت الآلهة مما فعلتم وما أرى أن أموركم تستقيم إلا إذا نقضتم بناءكم شيئا ، فأخرجتم الركن من موضعه ، ثم رددتموه إليه بعد أن تضحوا لآلهتكم بمن أمركم الكهان أن تضحوا بهم . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الآلهة ، لا قبل لكم بها ولا قدرة لكم عليها . والخير يا معشر قريش أن تريحوا أنفسكم من هذا الأمين ، فإنكم إن أبقيتم عليه لم يبق عليكم ، وإن مددتم حياته لم يلبث أن يجذم حياتكم جذما " . ويسمع الملأ من قريبش حديث هذا الشيخ مرتاعين له ، حتى إذا انقطع الصوت وهموا أن يحاوروا صاحبه نظروا فلم يجدوه بينهم ، وكأنه لم يدخل عليهم ولم يتحدث إليهم . هنالك تمتلئ قلوب القوم حيرة ، ويكادون يصرفون عما كانوا فيه إلى السؤال عن هذا الشيخ : من أين جاء ؟ ومن عسى أن يكون ؟ ولكن الوليد بن المغيرة يقول في صوت هادئ مطمئن : " ويحكم يا معشر قريش ، ما أرى إلا أن الشيطان يريد أن يعبث بكم ، ويصرفكم عما ألفتم وعما ألف الناس فيكم من الحزم والعزم ، ومن الأناة والوقار . إنه الشيطان يا معشر قريش ، ما أشك في ذلك ، إنه قد ظهر بينكم ثم استخفى عليكم . وإنه قد أنذركم بالشر ، ودعاكم إلى أمر فظيع . أرأيتكم يا معشر قريش إن أخرجتم الركن عن موضعه ، تستطيعون أن تردوه دون أن يشجر بينكم الخلاف ، وتستيقظ فيكم الفتنة ، وينصب بعضكم لبعض الحرب ، ويدعو بعضكم بعضا إلى القال ؟ هل أنتم يا معشر قريش إن استمعتم لهذا المشير الخائن ، والنصيح الغاش ، فبطشتم بالأمين أو حاولتم البطش به ، إلا مضيعون للحق ، مهدرون للرحمة قاطعون للرحم ، تجزون الخير بالشر ، والمعروف بالمنكر ! فقد حقن الأمين دماءكم ، وهذا الشيطان يدعوكم إلى أن تهدروا دمه . وقد أقر الأمين فيكم السلم ، وهذا الشيطان يدعوكم إلى أن تثيروا بينكم وبين قومكم الحرب . لا واللّه ما دلكم هذا الشيطان إلا على الغي ، ولا دعاكم إلا إلى الإثم . ردوا عليكم فضل أحلامكم ، ولا تكبروا من أمر هذه