محمد طاهر الكردي

566

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الأحجار غير كبير . إني واللّه ما أراها كلها تعدل قطرة من هذه الدماء التي ترادون على أن تسفكوها . أي أسرة قريش تريدون أن تفجعوها في كبيرها أو صغيرها ؟ أيكم تطيق نفسه يا معشر قريش عن هذه التضحية بابنه أو بنته ، وبأبيه أو أمه ؟ إنكم لم تنسوا بعد قصة عبد المطلب وابنه عبد اللّه ، لقد كدتم تبطشون به ، لأنه كان يأبى أن يضحي بابنه للآلهة . فإنكم لا ترادون الآن على أن تضحوا بواحد من قريش ، وإنما ترادون على أن تضحوا بستة من خيركم ، لا تسمعوا لهذا اللغو ! وأمر هذه الأحجار أيسر عليكم وأهون في نفوسكم مما تظنون ، ومما يخيل إليكم الشيطان " . قال أمية بن خلف : " مهلا يا وليد ! إنك لتقول الحق وتدعو إلى الرشد . ولكن خفض من صوتك ، ولتكتم على الناس هذا الحديث ، فإنه إذا ذاع لم ينتج إلا شرا ، والأمر بعد ذلك في حاجة إلى التدبير . فما ينبغي أن يروح الناس عن آلهتهم وهم قائمون ، ثم يغدو عليهم وهم مجلدون " . قال الوليد : " ما أرى إلا أن هذا الشيطان يعبث بنا وبهذه الأحجار ، يتخذها أسبابا ووسائل لكيد يدبره ، وشر يقدره . يقيمها أثناء النهار ، وينيمها إذا جن الليل " . قال أمية : " فاقترح علينا وسيلة نخلص بها من كيد الشيطان ، ونكره بها الآلهة على أن يظلوا يبيتوا كما عرفهم الناس قائمين ، غير نائمين ولا مجدلين " . قال الوليد : " كلوا إليّ أمر هؤلاء الآلهة ، فعلي أن أجد لكم منه مخرجا " . وتفرق الملأ من قريش وهم لا يدرون ماذا يريد الوليد أن يصنع . ولكن الوليد غدا على ذلك البناء القبطي الذي أقام لهم البيت ، فاستشاره في ذلك ، وأفضى إليه برأيه جليا صريحا في هذه الأحجار . فلما سمع منه " باخوم " أطرق شيئا ، ثم قال مبتسما : " هلا صنعتم بآلهتكم ما نصنع نحن بما نريد تثبيته من البناء ! " . قال الوليد : " وما ذاك ؟ " . قال باخوم وهو لا يملك نفسه من الضحك : " شدوا آلهتكم بأسباب من الرصاص " . قال الوليد : " هو ذاك ! " .