محمد طاهر الكردي

564

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الحراس - ويا هول ما يرون ! - الآلهة وقد صرعوا حول البيت تصريعا ، فيفرون وقد ملكهم الخوف واستأثر بهم الفزع . وقد أشار الكهان على قريش بأمر عظيم وقفت له القلوب فما تخفق ، وجمدت له الدماء فما تجري ، ووجمت له النفوس فما تستطيع رؤية ولا تفكيرا ، وهلعت له النساء في البيوت ، وأشفق منه سكان مكة جميعا إشفاقا عظيما ، فقد زعم الكهان لقريش أن لحوم الإبل والشاء ودماء الإبل والشاء ما كانت لترضي الآلهة بعد أن حولت عن أماكنها ، وبعد أن هدم بيتها وأعيد بناؤه . ولابد من أن يقرب إلى الآلهة لون آخر من القربان يقنعهم بأن عبادهم من قريش لا يجودون عليهم بالأموال وحدها ، وإنما يتقربون إليهم بالأنفس أيضا . وقال الكاهن لقريش : يجب أن تقربوا لآلهتكم من أجيالكم الثلاثة رجلا وامرأة قد تقدمت بهما السن حتى أشرفا على الموت ، وفتى وفتاة في نضرة الشباب ، وصبيا وصبية من الإحداث . فإن لم تفعلوا فما ندري ماذا يصنع الآلهة ، فإنهم لم يفعلوا إلى الآن أكثر من أن قدموا إليكم النذر ، فأسرعوا إلى إرضائهم ، فإنا نخشى أن تسؤ العاقبة ، وأن تصبحوا فلا تروا آلهتكم بينكم ، وألا تمضي بعد خروجهم عنكم أيام حتى يسلط عليكم شر عظيم . ولو استمع الملأ من قريش لما كانت تضطرب به نفوس الدهماء وعامة الناس لأطاعوا أمر الكهان ، ولتقربوا إلى آلهتهم بهذا الإثم المنكر . ولكن الملأ من قريش كانوا أمكر من ذلك وأمهر ، وكانوا أحزم من ذلك وأعزم ، فقد خلصوا نجيا ذات ليلة في دار ندوتهم ، وجعلوا يتشاورون ويديرون أمرهم بينهم ، وليس من شك في أنهم قد تلاوموا وتلاحوا ، وألقى بعضهم على بعض تبعة ما كان من هدم البيت وتجديد البناء . ولكنهم كانوا مجمعين أمرهم على ألا يذعنوا لما يأخذهم به الكهان ، ولا يقدموا إلى آلهتهم أبناءهم وبناتهم ، وأن أمر الآلهة في نفوس هؤلاء الشيوخ الذين عركتهم التجارب لأهون من ذلك وأيسر . ولكن الملأ من قريش ينظرون فإذا بينهم رجل غريب ينكرونه ، ثم لا يلبثون أن يعرفوه ، شيخ قد تقدمت به السن ، واتخذ زي النجديين ، لم يكن بينهم حين اجتمعوا ولكنه ظهر فيهم فجأة ، لا يدرون من أين أقبل وهم قد أقاموا على الباب حراسا يمنعون أن يقتحمه أحد أو يدنو منه أحد . ولكنهم يذكرون أنهم قد رأوا هذا الشيخ النجدي ذات يوم حين أمضى الأمين حكمه فيهم ، وحين وضع الأمين الركن الأسود في موضعه من البيت . رأوه يريد أن يشارك في البناء فيرد عن ذلك ردا عنيفا ، فيظهر السخط ويعلن النذير ، ثم يستخفي فلا يظهرون له على أثر .