محمد طاهر الكردي
563
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الدهماء ويجل عن أن تعرفه عامة الناس ، وإنما جاوزته إلى شيء خطير رأت فيه قريش خطبا عظيما وافتضاحا منكرا لما لم يكن ينبغي أن يفتضح من أمر الآلهة . فقد أسندت قريش من آلهتها إلى البيت ما أسندت ، وأقامت قريش من آلهتها حول البيت ما أقامت ، وخيل إليها أن قد فرغت من هذا الجهد الشاق ، وخلصت من هذا العناء الثقيل . ثم اجتهد الأشراف والسادة في أن شغلوا عامة الناس ودهماءهم عن التفكير في جمود الآلهة وقصورهم ، فأقاموا الأعياد ، وأكثروا من التقريب للآلهة ، وأسرفوا في أموالهم ليطعموا الفقراء والبائسين ، وألحوا في ذلك وأقاموا عليه حتى تجاوز كرمهم أهل مكة إلى من كان يضرب حولها من الأعراب الذين جعلوا يقدمون على مكة ، يلتمسون فيها حظوظهم من هذه الإبل والشاء التي كانت تقرب إلى الآلهة في غير انقطاع . ولكن قريشا تصبح ذات يوم فتغدو على البيت فترى ، ويا هول ما ترى ! ترى آلهتها مجدلين قد صرعوا حول البيت تصريعا ، منهم المستلقي على ظهره ، ومنهم المنكب على وجهه ، ومنهم المضطجع على أحد جنبيه . وما أصف لك شيئا مما ملأ قلوب قريش من الروع والهلع ، فأنت قادر على تصور ذلك إذا قدرت إعظام العامة لآلهتها ، وحرص الخاصة على ما ينبغي لهؤلاء الآلهة من جلال ووقار . وتقبل قريش على آلهتها فتردهم إلى أماكنهم ، وتقرهم في مواضعهم ، ثم تستشير وتستخير وتدير بينها ألوان الرأي ، ثم يستقر الأمر بينها على أن الآلهة لم يرضوا بعد عما نحر لهم من ضحايا وما سفك حولهم من دماء . فتستأنف قريش ما كانت قد أخذت تعرض عنه من التضحية والتقريب . وهذه الإبل تنحر ، وهذه الشاء تذبح ، وهؤلاء الفقراء ينعمون بعيش رغد وسعة متصلة . ولكن قريشا تصبح من الغد فإذا آلهتها مجدلون حول البيت ، قد فعلت بهم الأفاعيل ! . ويعظم لذلك هم قريش ، وتمتلئ لذلك قلوب قريش حزنا وأسى ، منهم الصادق المخلص ، ومنهم المشفق الماكر ، ولكنهم على كل حال يقيمون الأصنام ، ويجددون التضحية ، ويستشيرون الكهان ويجدون في البحث والاستقصاء ، لعل في مكة قوما يمكرون بالآلهة ، ويدبرون للحرم وأهله كيدا . وقد أقاموا الحراس حول البيت أثناء النهار ، فلم ير الحراس شيئا ينكرونه . وأقاموا الحراس حول البيت آناء الليل ، فقاموا حذرين أيقاظا ينتظرون ، ولكن انتظارهم لم يطل وإنما هو انتصاف الليل وتقدمه بعد ذلك شيئا ، وإذا بضجيج يسمع ، وأصوات تقرع الآذان . وينظر