محمد طاهر الكردي
562
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وتفرق هؤلاء الفتيان من قريش عن صاحبهم الرومي آخر الليل ، وإن بعضهم ليقول لبعض : ويلكم ! لقد فطن هذا الرومي لما فطنتم له . ولئن جاز لنا نحن أن نشك في آلهتنا أو نسخر منها ، فما ينبغي أن يجوز ذلك لرومي يسقينا الخمر ويسمعنا الغناء . ويلكم ! ارفعوا ذلك إلى الملأ من قريش ! ليدبروا أمرهم وأمر الآلهة ، فإنه في حاجة إلى التدبير ، وليحتاطوا أن يشيع هذا الشك في عامة الناس وضعفائهم ، وفي هؤلاء الأجانب الذين يملئون مكة من الفرس والحبش والروم . ولكنهم راحوا على صاحبهم الرومي من الغد ليستأنفوا عنده لهوهم ولذتهم ، فلم يجدوه ولم يجدوا إماءه الثلاث ، وإنما وجدوا حانوتا خاليا إلا من دنان وزقاق كان فيها فضل من شراب . واستقر حديث الرومي في نفوس هؤلاء الفتيان ، وما أدري أتحدثوا به إلى الملأ من قريش أم اخفوه عليهم ، ولكنهم لم ينسوه على كل حال ، وإنما جعلوا ينتظرون أن يتم بناء البيت ، ويتساءلون إذا التقوا - كما يسأل كل واحد منهم منفردا - : ماذا عسى أن يصنع الآلهة ليعودوا إلى أماكنهم ؟ أيسعون إلى هذه الأماكن ليستقروا فيها ، أم ينقلون إلى هذه الأماكن محمولين على الأيدي والأعناق كما حولوا عنها محمولين على الأيدي والأعناق حين أخذت قريش في هدم البيت ؟ . وليس من شك في أن الملأ من قريش قد فكروا في هذا الأمر كما فكر فيه الشباب ، وانتظروا من الآلهة مثل ما انتظر الشباب . ولكن شيوخ قريش كان أمكر وأمهر من أن يظهروا من تفكيرهم شيئا . وكانوا أضبط لأمورهم وأملك لعواطفهم من أن يظهروا الشباب وضعاف الناس على ما خالط قلوبهم من ريب ، وشاع في نفوسهم من شك ، حين رأوا آلهتهم ينقلون كما ينقل المتاع ، ويرصون في أماكنهم الجديدة كما يرص الأثاث . ومهما يكن من شيء فقد أتمت قريش بناء البيت ، وانتظرت بالآلهة يوما ويوما ، فلما لم تجد منها إرادة ولا حركة ولا تحولا إلى أماكنها ردتها إلى تلك الأماكن ردا ، وحملتها إليها حملا . واستقر في نفوس الشيوخ والشباب شك عظيم . وربما ظهر الأمر ببعض أولئك الشيوخ والشباب إلى ما هو أبعد من الشك والريب ، وأدنى إلى الجحود والإنكار . ولكن محنة قريش في آلهتها لم تقف عند هذا الحد الذي قد يفطن له أذكياء القلوب ، وأصحاب العقول النافذة والأحلام الراجحة ، ولكنه يخفى عادة على