محمد طاهر الكردي

561

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

قال الرومي : " ألم تفكروا في أصنامكم هذه القائمة حول هذا البيت والمسندة إليه ما عسى أن تصنعوا بها أثناء الهدم والبناء ؟ ! " . هنالك نظر بعض القوم إلى بعض نظرة لا تخلو من معنى . وقال صفوان : " وماذا كنت تريد أن نصنع بها غير ما صنعنا ؟ ! " . قال الرومي : " لم أكن أريد شيئا وإنما كنت أنتظر " . قال صفوان : " كنت تنتظر كما كنا ننتظر أن تتحول الآلهة عن أماكنها ، وأن تبهرنا بانتقالها إلى حيث تأمن معاول الهادمين . ولكن الآلهة لم تتحول فحولناها ، ولم تنتقل فنقلناها . وإذا تم البناء فسنرد ما نقلناها منها إلى أماكنها الأولى فماذا تنكر من ذلك ؟ إنا لم ننكر منه شيئا " . قال الرومي : " فقد كنتم تنتظرون من الآلهة مثل ما كنت أنتظر ؟ " . قال صفوان ضاحكا : " ولكن الآلهة لم تحقق آمالنا ، ولم تفعل ما كنا ننتظر منها . أفنكره الآلهة على ما لا تريد ! يا غلام ! قد جفت حلوقنا فاملأ الأقداح " . ثم التفت إلى الرومي وهو يقول : " إنك لتعني نفسك بأيسر الأمر وأهونه . إن أخص ما يميز الآلهة أنهم يفعلون ما يريدون هم لا ما نريد نحن " . قال الرومي : " ولكنهم لم يفعلوا شيئا " . قال صفوان : " فمن حقهم ألا يفعلوا ، كما أن من حقهم أن يفعلوا " . قال الرومي : " فإذا أتممتم بناءكم وبدا لكم ألا تردوا آلهتكم إلى أماكنها أتراها ترتد إليها على رغمكم ؟ " . قال صفوان : " ما أدري وما يعنيني من ذلك شيء أنتظر حتى يتم البناء ، فإن رأيت الآلهة قد ارتدت من تلقاء نفسها إلى أماكنها فقد ظهرت لك جلية الأمر . وإن رأيتنا نحن نردها إلى أماكنها كما حولناها عنها فاعلم أنها قد أخذتنا بذلك وأرادتنا عليه . وإن رأيتها قائمة حيث وضعناها ورأيتنا نتركها حيث هي فاعلم أنها تريد ذلك ، وتطمئن إلى أماكنها الجديدة . وأرح نفسك كما نريح أنفسنا من التفكير في الآلهة ، وأشغل نفسك كما نشغل أنفسنا عن أمور الآلهة بأمور الناس ، وعن حركات الآلهة بحركات هؤلاء الإماء الثلاث اللاتي يوقعن ويغنين فيكلفننا من أمرنا شططا " .