محمد طاهر الكردي
560
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قال الرومي : " أما نحن فقد وجدنا فيه الغرابة كل الغرابة ، والعجب كل العجب ، وأولناه ألوانا من التأويل . فأما رهباننا وأحبارنا فقد فهموا منه شيئا آخر . ظن الأحبار والرهبان أن هذه آية قدمتها السماء بين يدي آيات أخرى أكبر منها وأعظم خطرا . وظن الأحبار والرهبان أن أمور الناس ستتغير وتتبدل ، وأن ما أنزل على اليهود والنصارى من الدين سيتم في هذا البلد الذي رد عنه الفيل . وظننا نحن كما قلت لكم أن آلهتنا قد هاجروا إلى هذا البلد ، وأنهم قد ردوا جيش الحبشة والروم عنه ، كما ردوا جيش الفرس عن بلاد اليونان منذ قرون . وتمتلئ نفسي بحب الآلهة ، وتطمئن نفسي إلى هذا التأويل ، وتحدثني نفسي بالهجرة إلى بلادكم لألقي فيها آلهتنا ، ولأرى فيها تماثيلهم ، ولأعبدهم حرا ، وأتقرب إليهم ، مظهرا ذلك لا مستخيفا به ولا محتاطا فيه . وأفكر في الرحلة إلى هذه الأرض ، وفي الحياة التي سأحياها في هذا البلد ، وفي رزقي كيف أكسبه . فأتصل بالذين كانوا يفدون على بلادنا من تجاركم ، فأعلم منهم علم هذه البلاد ومن يعيش فيها من الناس . وأقدم مع بعض قوافلكم تاجرا أسقيكم خمر الروم ، وأسمعكم غناء الروم . وإن لي في بلادكم لأربا غير هذا وذاك . وما أخفي عليكم أني لم أبلغ بلادكم ولم أستقر في أرضكم حتى أدركتني خيبة الأمل ، وحتى جعلت نفسي تحدثني بأن الأحبار والرهبان ربما كانوا أدنى مني إلى الحق ، وأقرب مني إلى الصواب ، فقد رأيت تماثيل آلهتكم ، ورأيت سيرتهم فيكم وسيرتكم فيهم ، فلم أعرف من هذا كله شيء ، ولم تعطف نفسي على صنم من هذه الأصنام القائمة ، ولم يمل قلبي إلى وثن من هذه الأوثان المنصوبة ، ولم يرتب ضميري في أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد اليونان لا ليستقروا في بلاد العرب ، ولكنهم مضوا إلى وجه من الأرض أو من السماء لا نعرفه ولا نهتدي إليه . هنالكم أخفيت أمري في مكة كما كنت أخفيه في طرسوس ، وأظهرت لكم نصرانيتي هذه الرقيقة كما كنت أظهرها في أرض قيصر ، وفرغت للتجارة وتثمير المال ، فجعلت أسقيكم الخمر ، وأسمعكم الغناء ، وأفيد منكم مالا كثيرا . ولكنكم أخذتم منذ حين في هدم بيتكم هذا وتجديد بنائه ، فكان ذلكم مصدر ما أنا فيه من الاضطراب " . قال صفوان : " وما ذاك ؟ " .