محمد طاهر الكردي
537
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وما تقدم في بعض الروايات : " مبارك لأهلها في اللحم والماء " ، وفي بعضها " في الماء واللبن " ليس فيهما اختلاف في المعنى ، فحيث وجد اللحم وجد اللبن ، وحيث وجد اللبن وجد اللحم . والحقيقة أن أهل بادية الحجاز والبدو الرحل الذين ينتجعون الكلاء ، لا يعيشون إلا على اللبن واللحم ، فالحب عندهم قليل لا يأكلونه إلا إذا كانوا في المدن . وهنا نحب أن نشير إلى حكمة دقيقة تتعلق بهذا الفضل وهي : أنه لا يخفى على المسلمين جميعا ، أن اللّه تعالى لما فرض الحج خامس أركان الإسلام ، فرض على من ترك واجبا من واجباته الدم ، وهو الفدية من الإبل والبقر والغنم ، ومثل واجبات الحج قطع شجر الحرم أو الصيد فيه ، ففي كل ذلك الفدية أيضا حسب ما هو مذكور في كتب الفقه . ثم إن من وجب عليه الدم " الفدية " يجب عليه ذبحها في الحرم وتفرقة لحمها على المستحقين فيه أيضا ، فلا يجوز ذبح الدم الواجب في غير الحرم ، فمن ذبح الفدية بجدة أو غيرها من بلاد الحجاز أو ذبح بمصر أو بالشام أو غيرهما ، لا تسقط عنه الفدية ، وإن كان يجوز أكلها . فمن أمن النظر في هذه المسألة ، علم أنها عناية خاصة من اللّه تعالى بأهل مكة وأهل حرمه ، ورحمة تامة بهم وإحسان عظيم عليهم ، على الدوام في كل عام بدون انقطاع إلى يوم القيامة . فيجب عليهم معرفة هذه النعمة الكبرى والميزة الخاصة وأن يحافظوا عليها بالحمد والشكر والطاعة للّه جل جلاله الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف . ومن هنا بارك اللّه في اللحم والماء . فاللحم لا ينقطع عن مكة مطلقا ويكثر كثرة زائدة في أيام الحج إلى درجة أن غالب الناس يكرهون اللحم ولا يحبون رائحته ، وهذه الحال لا تكون إلا في مكة المشرفة فقط دون جميع بلدان العالم . وأن أطراف مكة وجبالها إلى مسافات بعيدة ممتلئة من الأنعام يرعون الكلاء والحشيش على الدوام ، وبذلك يكثر اللبن والجبن والسمن والزبدة . وأما الأرزاق والثمار ففي مكة أضعاف أضعاف ما يتصوره العقل على صغر رقعتها وكثرة وفود الحجاج إليها كل عام ، بل إن فيها من الأقمشة والأمتعة