محمد طاهر الكردي

533

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

واعلم أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله ، يظهر حتى في حال الدين والعبادة ، فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب ، بل تجد أهل الدين قليلين في المدن والأمصار ، لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالإكثار من اللحمان والأدم ولباب البر ، ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي . وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من أهل الحواضر والأمصار إذا نزلت بهم السنون ، وأخذتهم المجاعات ، يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم ، مثل أهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا ، لا مثل العرب أهل القفر والصحراء ، فإن هؤلاء وإن أخذتهم السنون والمجاعات ، فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ، ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر . وما يتوهمه بعض الناس من أن الجوع مهلك ، فليس على ما يتوهمونه إلا إذا حملت النفس عليه دفعة ، وقطع عنها الغذاء بالكلية ، فإنه حينئذ ينحسم المعاء ، ويناله المرض الذي يخشى منه الهلاك . وأما إذا كان ذلك القدر تدريجا ورياضة بإقلال الغذاء شيئا فشيئا ، كما يفعله المتصوفة ، فهو بمعزل عن الهلاك . وهذا التدريج ضروري حتى في الرجوع عن هذه الرياضة ، فإنه إذا رجع إلى الغذاء الأول دفعة خيف عليه الهلاك ، وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج . واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية بكل وجه . وأن له أثرا في الأجسام والعقول في صفائها وصلاحها كما قلنا ، انتهى . على كل حال الدنيا لا قيمة لها ، وما هي إلا قنطرة للآخرة وسلم إلى الدرجات العلى " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم " . ومما يناسب هذا المقام ، ما جاء في صحيح البخاري في كتاب النكاح ، في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها ، حديث طويل نذكر منه ما نحن في احتياج إليه هنا للاستشهاد : عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم اللتين قال اللّه تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما حتى حج وحججت معه ، وعدل وعدلت معه ، بأداوة فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ ، فقلت له يا أمير المؤمنين . . . إلى آخر الكلام أي إلى أن قال عمر ، فجئت الغلام فقلت :