محمد طاهر الكردي
532
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الأرض الحارة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة ، فأهلها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز ، واليمن ، ومثل الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان ، فإن هؤلاء لا يفقدون الحبوب والأدم جملة وإنما أغذيتهم وأقواتهم الألبان وقليل من اللحوم ، ومثل العرب أيضا الجائلون في القفار ، فإنهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول ، إلا أن ذلك في الأحايين وعلى الإقلال ، لقلة وجدهم ، فلا يتوصلون منه إلى سد الخلة أو دونها ، فضلا عن الرغد والخصب . وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان ، وتعوضهم عن الحنطة أحسن معاض ، وتجد - مع ذلك - هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالة في جسومهم وأخلاقهم من المنغمسين في العيش : فألوانهم أصفى ، وأشكالهم أتم وأحسن . وأخلاقهم أبعد من الانحراف ، وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات هذا أمر تشهد له التجربة في كل جيل منهم . والسبب في ذلك ، واللّه أعلم أن أكثر الأغذية ورطوبتها تولد في الجسم فضلات رديئة ، ينشأ عنها بعد إفطاره في غير نسبة ، وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ، ويتبع ذلك انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة الغذاء كما قلنا . وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الرديئة ، فتجيء البلادة والغفلة ، والانحراف عن الاعتدال بالجملة . واعتبر ذلك في حيوان القفر ومواطن الجدب : من الغزال والنعام والمهام والزرافة والحمر الوحشية والبقر ، مع أمثالها من حيوان الأرياف والمراعي الخصبة ، حيث تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها ، وحسن رونقها وأشكالها ، وتناسب أعضائها ، ووحدة مداركها . فالغزال أخو المعز ، والزرافة أخو البعير ، والحمار أخو البقر . والبون بينهما ما رأيت . وما ذلك إلا لأن الخصب في الأودية فعل في أبدان هذه من الفضلات الرديئة ، والأخلاط الفاسدة ، ما ظهر عليها أثره . والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء . واعتبر ذلك في الآدميين أيضا ، فإنا نجد أهل الأقاليم المخصبة العيش الكثيرة الزرع والضرع والأدم والفواكه يتصف أهلها غالبا بالبلادة في أذهانهم ، وعدم التناسب في أجسامهم ، على عكس المتقشفين في عيشهم ، المقتصرين على الشعير أو الذرة . فتجد هؤلاء أحسن حالا في عقولهم وجسومهم .