محمد طاهر الكردي
507
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قال ابن عبد البر : هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة . ثم ساق حديث أبي سلمة ، عن ابن الحمراء المتقدم وقال : هذا نص في محل الخلاف ، فلا ينبغي العدول عنه . وأما الحديث المروي : اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي ، فأسكني أحب البلاد إليك ، لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه ، وسئل عنه الإمام مالك ، رضي اللّه عنه فقال : لا يحل لأحد أن ينسب الكذب الباطل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . انتهى . قال الطبري : وعلى تقدير صحته فلا دلالة فيه لأن قوله : فأسكني في أحب البلاد يدل سياقه في العرف على أن المراد به بعد مكة ، فإن الإنسان لا يسأل ما أخرج منه فإنه قال : أخرجوني فأسكني ، فدل على إرادة غير المخرج منه فتكون مكة مسكوتا عنها . انتهى . وأما الحديث الذي فيه : المدينة خير من مكة لا يرد لأنه ضعيف ، بل قيل موضوع . قال الجد رحمه اللّه : فإن قلت : ورد في الصحيحين عن أنس ، رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة ، ودعوته صلى اللّه عليه وسلم ، مستجابة بلا شك . وفيها أيضا أن الملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال . قلت : هذه الأحاديث ونحوها تدل على فضيلة المدينة ، لا أفضليتها على مكة كما لا يخفى ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم لهم : حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد . وفي رواية : وأشد لا دلالة فيه . أما على رواية : أو أشد ، فظاهر لوجود الشك . وأما على رواية : وأشد ، بدون ألف أو بها ، وتكون بمعنى الواو ، فلأن سؤاله عليه السلام حصول أشدية الحب للمدينة بعد وجود المانع من سكناه مكة تسلية عنها ، لا يلزم منه تفضيل المدينة على مكة بعد استحضار ما تقدم من قوله ، عليه السلام : لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى اللّه وأكرمها على اللّه ، بشهادة التأمل . انتهى . نقلنا هذا بنصه من الجامع اللطيف . قال بعض الفضلاء في التحذير من الظلم بمكة شرفها اللّه تعالى : أبنيّ لا تظلم بمكة * لا الصغير ولا الكبير واحفظ محل مهابتي * لا أن يغر بك الغرور أبنيّ من يظلم بمكة * يلق أطراف الشرور أبنيّ يضرب وجهه * يلج بخديه السعير أبنيّ قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور