محمد طاهر الكردي

508

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

اللّه أمنها وما * بنيت بعرصتها قصور ولقد غزاها تبع * فكسا بنايتها الحبير وأذل ربي ملكه * فيها فأوفى بالنذور ويظل يطعم أهلها * لحم المهاري والجذور يسقيهم العسل المصفى * والرحيق من الشعير والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها في الصخور والملك في أقصى البلاد * وفي الأعاجم والجزور فاسمع إذا حدثت واف * هم كيف عاقبة الأمور نقلنا هذه القصيدة من مرآة الحرمين لأيوب صبري . أهل مكة أدرى بشعابها هذا مثل عربي قديم وهو مثل شائع إلى اليوم عند جميع الناس ، نحن لم نقف على قائل هذا المثل اللطيف ، ولكنا نحب أن نشرحه هنا بما يظهر معناه . فنقول : إن مكة ، شرفها اللّه تعالى ، تحيطها الجبال من جميع الجهات ، بل هي واقعة وسط الجبال ، وكان العرب من قديم العصور ، يسكنون حول الكعبة المعظمة بين شعاب هذه الجبال وما أكثر هذه الشعاب ، فالغريب في مكة لا يعرف مساكن العرب بين هذه الشعاب ، وإذا مشى وحده بين هذه الجبال الكثيرة ، ضل وانقطع وهلك من العطش والجوع ، وأما العربي من أهل مكة فهو لا يضل فيها لمعرفته بشعابها ومسالكها ، بل إن بهائمهم من الغنم والجمال إذا ذهبت إلى المرعى في هذه الجبال ، لتعرف كيف تعود وحدها بدون راع إلى منازلها ومرابضها . إن مكة التي شرفها اللّه تعالى على سائر البقاع ، لم تعرف فيها الشوارع الواسعة والمسالك السهلة العريضة ، إلا بعد القرن التاسع للهجرة تقريبا ، حيث كثر الناس فيها وصاروا يقطعون أشجار الشوك ، ويقطعون الجبال الصغيرة الواقعة في مسالكهم ، ويرفعون الأحجار والأتربة المتراكمة في دروبهم من أثر السيول والإعصار . وفي زماننا هذا سنة ( 1375 ) ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هجرية ، وهي سنة توسعة المسجد الحرام وتوسعة شوارع مكة المكرمة ، قد شاهد الناس كيف يزيلون الجبال ويقطعون الصخور ، ويهدمون المنازل والبيوت في أسرع