محمد طاهر الكردي

469

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

قريش ، إن اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء ، الناس لآدم وآدم خلق من تراب . ثم تلا هذه الآية : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ، الآية ثم قال : يا معشر قريش أو يا أهل مكة ماذا ترون أني فاعل فيكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . فأعتقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة فلذلك يسمى أهل مكة الطلقاء ، أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا ، والطليق هو الأسير إذا أطلق . قال : ثم جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول اللّه ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى اللّه عليك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين عثمان ابن طلحة ؟ فدعي له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم برّ ووفاء ، وقال لعلي فيما حكى ابن هشام : إنما أعطيكم ما تزرأون لا ما ترزأون . وفي البحر العميق : دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب ، والحجابة من عثمان بن طلحة ، فقام العباس بن عبد المطلب فبسط يده وقال : يا رسول اللّه : بأبي أنت وأمي ، اجمع لي الحجابة مع السقاية . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أعطيكم ما تزرأون فيه لا ما ترزأون منه . قال أبو علي : معناه أنا أعطيكم ما تمونون على السقاية التي تحتاج إلى مؤن ، أي فأنتم ترزأون - بضم التاء وسكون الراء المهملة قبل الزاي المعجمة المفتوحة من الرزء بالضم وهو النقص - أي : يرزؤكم الناس أي : ينقصونكم بالأخذ لتموينكم إياهم بتموين السقاية المعدة لهم ، وأما السدانة فيرزأونها الناس بالبعث إليها أي بعث كسوة البيت أي لا يليق أن ترزؤا ، بفتح التاء وسكون الراء المهملة قبل المعجمة ، أي : تنقصوا الناس بأخذ أموالهم والتعرض لذلك لشرفكم . وقيل : معنى ترزأون فيه بضم المثناة أي : تصيبون فيه الخير بصرف أموالكم في مؤنات زمزم . ومعنى : ما تزرأون منه بفتح المثناة أي : تستجلبون به الأموال أي تأخذون منه أموال الناس كالحجابة . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين عضادتي باب الكعبة فقال : ألا إن كل دم أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين ، إلا السقاية وسدانة الكعبة ، فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانت في الجاهلية . فقبضها العباس وكانت في يده حتى توفي ، فوليها بعده عبد اللّه بن عباس فكان يفعل كفعله دون بني عبد المطلب .