محمد طاهر الكردي
446
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الحبشة وممن شهد بدرا ، مرض بمكة وتوفي بها ، وله ذكر في الصحيحين في حديث سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة ، فلما توفي عنها في حجة الوداع وكانت حاملا ، فولدت بعد وفاته بليال ، أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : « قد حللت فانكحي من شئت » . انظر ترجمته في كتاب الإصابة وفي الاستيعاب . ولما كان يوم فتح مكة قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الصفا يدعو ربه وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم : أترون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ فتح اللّه عليه أرضه وبلده يقيم بها . فلما فرغ صلى اللّه عليه وسلم من دعائه قال : ماذا قلتم ؟ قالوا : لا شيء يا رسول اللّه . فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال : « معاذ اللّه المحيا محياكم والممات مماتكم » . وبالفعل فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يزل مقيما بالمدينة حتى مات وقبر بها . فانظر إلى وفائه ، عليه الصلاة والسلام ، للأنصار وكيف عاملهم باللطف والفضل والإحسان الشامل . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وبارك على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت وباركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . ولما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقريش وقبائل العرب من الغنائم التي أخذها في غزوة حنين ، وقد ترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا : إن هذا لهو العجب يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم ، فلما اجتمعوا قال لهم : يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللّه بي ، وعالة فأغناكم اللّه بي ، وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم بي ، إن قريشا حديثو عهد بكفر ومصيبة ، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم ، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألّفت به قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل ، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحلكم ، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار . فلما سمعوا كلامه صلى اللّه عليه وسلم بكى القوم حتى اخضلت لحاهم وقالوا : رضينا برسول اللّه قسما وحظا . ثم انصرف ، عليه الصلاة والسلام ، وتفرق القوم .