محمد طاهر الكردي
432
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أحكام الهجرة جاء في الصحيحين ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا . . . الخ » . وجاء فيهما : « مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام والجهاد ( يعني أخا مجاشع ) . وسبب هذا الحديث كما في الصحيحين من راوية مجاشع رضي اللّه عنه ، قال : انطلقت بأبي معبد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ليبايعه على الهجرة ، قال : مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام والجهاد » . ا ه . بلفظ البخاري . وجاء فيهما أيضا أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لأعرابي سأله عن الهجرة : « ويحك إن شأن الهجرة شديد . فهل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : فهل تؤدي صدقتها ؟ قال : نعم . قال : فاعمل من وراء البحار ، فإن اللّه لن يترك من عملك شيئا » . رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه . ومعنى : لن يترك ، بفتح الياء وكسر التاء ونصب الراء وفتح كاف الخطاب ، أي لن ينقصك من ثواب عملك شيئا ، وفي رواية : لم يترك بالجازم بدل الناصب وسكون الراء للجزم . قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي رحمه اللّه تعالى ، في شرحه على كتابه " زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم " في الجزء الخامس عند حديث : « ويحك إن شأن الهجرة شديد » الخ ما ملخصه : ( تنبيهات ) تتعلق بالهجرة وأحكامها ، وما هو حكم تاركها ؟ والتفصيل بين من تركها اختيارا وبين من تركها عجزا واضطرارا . " التنبيه الأول " : تجب الهجرة على كل من كان مقيما ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين ، فيجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام ، لأن من خاف على دينه وجبت عليه الهجرة من موضعه وترك أبويه وأولاده كما فعل المهاجرون رضي اللّه تعالى عنهم . كما نص عليه القرطبي ونقله الأبّي في شرح صحيح مسلم في أول كتاب البر والصلة ، ونص عليه غيره من سائر فقهاء المالكية وغيرهم ، وهو ظاهر نصوص القرآن العظيم والأحاديث الشريفة الصحيحة .