محمد طاهر الكردي
433
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ثم اعلم أيها الطالب للهجرة والسائل عن حقيقتها : أن الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهجر وهو ضد الوصل ، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية قاله في النهاية ، فالهجرة لغة الترك لأن الهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره وفي الشرع ترك ما نهى اللّه عنه ، كذا قاله الحافظ ابن حجر ، وقال العيني : وهي في الشرع مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة ، وطلب إقامة الدين ، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه اللّه تعالى إلى ما يحبه ، ومن ذلك سمي الذين تركوا توطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك . قال الحافظ ابن حجر : وقد وقعت في الإسلام على وجهين : الأول : الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة . الثاني : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين ، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة ، إلى أن فتحت مكة ، فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا . ا ه . قوله : وبقي عموم الانتقال من دار الكفر الخ ، أي وبقي عموم وجوب الانتقال من دار الكفر أو دار الإسلام التي جرى عليها حكم الكفر إلى بلد يسلم فيه دين المسلم من بلاد الإسلام ، ويختار في آخر الزمان أقلها إثما وأحوطها لسلامة العرض والدين والمال ، ثم اعلم أن حديث المتن الذي هو : ويحك إن شأن الهجرة شديد المشعر بأن المسلم إذا كان يؤدي فرض اللّه تعالى في ماله ونفسه ، لا بأس بعدم هجرته لقوله ، عليه الصلاة والسلام : فاعمل من وراء البحار الخ ، فحاله فيمن لم يكن تحت حكم عدو الدين ، أما من كان تحت سلطة الكفرة بحيث يخاف على دينه وأهله وماله كما هو مشاهد اليوم فيمن بقي تحت حكمهم ، فإن الهجرة لا تزال واجبة عليه إلى قيام الساعة ، ولا حجة له في حديث : لا هجرة بعد الفتح ، لما قررناه سابقا عند حديث : مضت الهجرة لأهلها ، المذكور في حرف الميم في الجزء الثالث ، من أن معنى : لا هجرة بعد الفتح ، أي لا هجرة واجبة من مكة إلى المدينة ، لأن مكة صارت دار إسلام بالفتح لانتفاء على الكفر الموجبة للهجرة منها ، وهكذا الحكم في كل بلد كان عليه حكم الكفر ثم زال عنه ،