محمد طاهر الكردي

393

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . واستأجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل ، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا ، - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه ، فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل . فإن قيل : فما حكمة ذهاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جبل ثور والاختفاء في غاره عند هجرته إلى المدينة المنورة ؟ نقول : إن ذهاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جبل ثور للاختفاء في غاره ، إنما هو بتوجيه من ربه عز وجل ، إن هذا الجبل يقع في أسفل مكة ويبعد عن الكعبة بنحو ثلاث كيلو مترات ، وهو جبل لا يقع على طريق المسافر إلى جدة أو الطائف ، وإنما جبل بين جبال مكة لا يصلح أن يلجأ إليه أحد . وربما كان اختفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه لتضليل كفار قريش عن اقتفاء أثره ، فإن الإنسان إذا هرب من بلدة إلى أخرى يسلك جادة الطريق ، وفي ذلك العصر الطريق إلى هذا الجبل وعر ، صعب ، مليئة بأشجار الشوك والأحجار ، بخلافها في زماننا الحاضر فإنها نظيفة معبدة بالإسفلت تسير فيها السيارات ، ومع ذلك فقد بحث عنه صلى اللّه عليه وسلم كفار قريش في كل الجهات ، حتى توصلوا إلى هذا الجبل ووقفوا على باب الغار ، ولكن اللّه تبارك وتعالى حجبه عن أعينهم معجزة له صلى اللّه عليه وسلم . فجبل ثور وغاره مبارك لاختفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فيه ، بل مكة كلها مقدسة مباركة ، منذ أن اكتشفها خليل اللّه إبراهيم وأسكن فيها ابنه إسماعيل وأمه هاجر عليهم الصلاة والسلام . ترجمة أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنها جاء في الجزء السادس من شرح " زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم " عن ترجمة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالي عنهما عند حديث : « لا توعي فيوعي اللّه عليك ، ارضخي ما استطعت » . قاله عليه الصلاة والسلام لذات النطاقين . رواه البخاري ومسلم عن أسماء المذكورة رضي اللّه عنها . فبعد أن شرح المؤلف شيخنا رحمه اللّه تعالى الحديث المذكور قال عن ترجمة أسماء رضي اللّه تعالى عنها ما يأتي :