محمد طاهر الكردي
379
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وأما وجود كليم اللّه موسى عليه الصلاة والسلام في السماء السادسة فمعناه أن فضل كليم اللّه موسى دون فضل خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وليكون الخليل والكليم في سماءين متجاورين لا يفصل بينهما نبي آخر ، لأن كلا منهما اختصه اللّه بشيء لم يختص به غيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأنه قد ذكر كلاهما في آية واحدة في قوله عز شأنه : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ، ثم إن وجود موسى في السماء السادسة فيه حكمة أخرى ، وهي إذا رجع نبينا " محمد " عليهما الصلاة والسلام من المناجاة ومرّ بموسى وهذا طلب منه أن يراجع ربه في تخفيف الصلوات عن أمته ، كانت المراجعة من السماء السادسة أقرب مسافة من السماوات التي بعده . ( 24 ) ويؤخذ مما في صحيح مسلم من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد صعوده إلى السماء السابعة رأى فيها إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ، يؤخذ من هذا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم في عروجه إلى السماء وصل فيها إلى ما يقابل مكة المشرفة ؛ لأن البيت المعمور كما روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه حيال الكعبة بحيث لو سقط سقط عليها . والبيت المعمور هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة ، كما أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر والحاكم ، وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس مرفوعا . نقول : إن ما ذكرناه هنا عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دليل على تفضيل بعضهم على بعض - وهو كذلك - فقد قال اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وقال عز شأنه : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ . والحقيقة أن كل نبي له مقام معلوم ومنقبة مخصوصة ولهذا فضلوا أولي العزم منهم على غيرهم . ونحن إذا فضلنا بعض الأنبياء يجب أن يكون التفضيل بالاعتدال وبمقدار ما ورد في الكتاب والسنة ، فلا نغلو فيهم ولا نتعدى الحدود في تفضيلهم ، حتى لا نقع في محظور ، ومن هنا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم وقولوا عبد اللّه ورسوله » رواه البخاري في صحيحه . وقال عليه الصلاة والسلام : « لا تخيروا بين الأنبياء » رواه البخاري ومسلم . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا