محمد طاهر الكردي

314

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

يحميه ويحفظه . ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش وغنمهم وساق لعبد المطلب أربعمائة ناقة فركب عبد المطلب في قريش حتى بلغ ثبير واستدارت دائرة غرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على جبينه أي جبين عبد المطلب كالهلال ، وانتشر شعاعها على البيت الحرام مثل السراج فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال : يا معشر قريش ارجعوا قد كفيتم هذا الأمر فو اللّه ما استدار هذا النور مني إلا كان الظفر لنا فرجعوا متفرقين . فبلغ ذلك أبرهة فبعث إليه رجلا من قومه ، فأقبل الرجل حتى دخل مكة ، فسأل عن كبير الناس فقيل له عليك بعبد المطلب فلما دخل ونظر وجهه ذعر وخضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه ، فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب وقال : أشهد أنك سيد قريش حقا . وذلك أنه لم يكن أحد من الناس يدخل مكة إلا خر ساجدا إكراما من اللّه عز وجل لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما بلغ الرسول رسالة أبرهة ركب عبد المطلب في نفر من قريش وسبقه الرسول حتى دخل على أبرهة وقال له : يا سيداه ويا مولاه ، قد جاءك اليوم سيد قريش حقا قال له : ويلك كيف علمت ذلك ؟ قال : لأني لم أر في الآدميين أتم جمالا منه وما أشبه لونه إلا باللؤلؤ المكنون وأعلم أنه لا يمر على شيء إلا خر له ساجدا . قال : فأخذ الملك أحسن زينته ثم أذن له في الدخول فدخل عليه وهو قاعد على سرير ملكه ، فسلم عليه فرد عليه السلام ثم قام قائما وأخذ بيده وأقعده على سرير ملكه ، وأقبل أبرهة ينظر في وجه عبد المطلب ، ثم قال له : يا عبد المطلب هل كان أحد من آبائك له مثل هذا النور والجمال ؟ فقال له عبد المطلب : نعم أيها الملك كل آبائي كان لهم مثل هذا النور والبهاء . فقال له الملك : وأنتم قوم فاخرتم الملوك فخرا وشرفا وبهذا حق لك أن تكون سيد قومك ثم التفت الملك أبرهة إلى سائس الفيل وكان له فيل عظيم أبيض وكان ذلك الفيل لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة ، فقال الملك لسائس الفيل : أخرجه ، فأخرجه وقد زين بكل زينة على وجه الأرض فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخر ساجدا ونادى الفيل بلسان الآدميين السلام على النور الذي يخرج من ظهرك يا عبد المطلب ، معك العز والشرف لا تذل ولا تغلب أبدا . فلما نظر الملك رجف وارتعد وظن أن ذلك كله سحر فبعث في تلك الساعة إلى السحرة الذين في عسكره فجمعهم وقال لهم : الويل لكم حدثوني عن هذا الفيل وشأنه لا يسجد لي ويسجد لعبد المطلب . فقال السحرة : أيها الملك إن