محمد طاهر الكردي

313

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وكان حديث الشيخ قد ملك على هؤلاء السمار نفوسهم وقلوبهم ، فأغرقوا في شيء من الوجوم لم يحسوا معه أن صاحبهم قد قطع الحديث واندفع في تفكير عميق بعيد ولست أدري كم أنفقوا من الوقت في هذا الوجوم الصامت ، ولكني أعلم أن رجلا منهم شابا لم تكن قد تقدمت به السن بعد ، خرج من هذا الصمت وأخرجهم منه حين قال بصوت متهدج تقطعه العبرات تقطيعا : إن لهذا البيت في مكة لشأنا . قال الشيخ : نعم ، إن لهذا البيت في مكة لشأنا ، وإن هذا الشأن هو الذي اضطرني إلى أن أعود من اليمن مسرعا ما وسعتني السرعة حتى أبلغ مصر وأنتهي إلى الإسكندرية وأقسم ما حفلت بأهلي ولا بوطني ولا بشركائي في التجارة ولا أتحت لأحد منهم أن يسألني من أمري عن قليل أو كثير ، وإنما فرقت فيهم مالي تفريقا ، وحملت منه ما استطعت حمله ، ومضيت إلى الشام يحسبني الناس تاجرا يبتغي الربح ، وإنما كنت سائحا أبتغي هذا الدير لأدخله ، فأخرج من الحياة ولذاتها ، وآمالها وغرورها ، وأفرغ للعبادة وطاعة اللّه . وإني لأرجو لو امتدت بي الحياة أن أعود إلى هذا البيت في مكة لا غازيا ولا باغيا ولا قاصدا إلى شر ، بل تائبا ثائبا منيبا مستغفرا من هذا الإثم الذي شاركت فيه . وإلى أن يتيح اللّه لي هذه الأوبة إلى مكة ، إن كان قد قدر لي أن أراها مرة أخرى ، فسأقيم معكم ألقى من تلقون من هؤلاء الذين يأتون من مكة ، ويعودون إليها ، فأتحدث إليهم وأسمع منهم ، وأنا لهم بما أستطيع أن أنالهم به من إحسان . وأذن مؤذن أن قد آن لأهل الدير أن يأووا إلى حجراتهم ، فتفرقوا وما في نفوسهم رغبة في سمر ولا ميل إلى حديث ، وما منهم إلا من يفكر في هذا البيت الذي أحجم عنه الفيل ، ورجمته طير أبابيل ، ترمي عدوه بحجارة من سجيل ، فإذا هم كعصف مأكول . انتهى من كتاب على هامش السيرة . نطق فيل أبرهة لعبد المطلب ومما يناسب قصة الفيل ، الحكاية الواردة في كتاب " النطق المفهوم من أهل الصمت المعلوم " المطبوع سنة ( 1308 ) هجرية بمطبعة الحلبي بمصر ، وهي هذه واللّه تعالى أعلم بصحتها : الفصل السادس في نطق الفيل : لما بلغ عبد المطلب قدوم أبرهة لهدم بيت اللّه الحرام ، قال : يا معشر قريش ، لا يصل إلى هدم هذا البيت لأن لهذا البيت ربا