محمد طاهر الكردي

309

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأبرهة حتى وصل إلى عزم أبرهة على هدم بيت اللّه الحرام . ومن هنا نحن ننقل من كلامه ما يأتي : قال حفظه اللّه تعالى : وفي ذات يوم رفع إلى أبرهة أمران ضاق بهما أشد الضيق ، وخرج لهما عما قد ألف من الحلم والأناة . أصبح سدنة الكنيسة فرأوا أنفسهم أمام أمر عظيم : رأوا كنيستهم قد لطخت بالقاذورات ، وألقيت فيها الجيف ، وانتهكت حرمتها ، فثاروا بذلك ورفعوه إلى أبرهة ، وزعموا له أن هذا الإثم لا يمكن أن يجنيه إلا رجل من هؤلاء العرب الذين يأتون من تهامة ، حيث يقوم لهم بيت هناك يقدسونه ويحجون إليه ويسمونه الكعبة والعرب كلها تحج إليه وتعظم أمره ، وتعظم الذين يعيشون حوله من هذا الحي الذي يسمى قريشا ، والذي يتجر بين بلادنا وبلاد الشام . فلما سمع الملك ذلك غضب أشد الغضب ، وأقسم ليهد من هذا البيت وليحملن العرب على أن يحجوا إلى كنيسته بالسيف ، بعد أن أعياه حملهم على ذلك بالرفق واللين . ولم يكد النهار يتقدم حتى رفعت الأنباء إلى أبرهة بأن أهل تهامة قد قتلوا ذلك الرجل الذي أرسله إليهم ملكا ، فطار طائره ، وثار ثائره ، وأذن من فوره بالتجهز للحرب والاستعداد للرحيل ، وأرسل إلى النجاشي ينبئه بذلك ، ويسأله أن يمده بالجنود والفيلة . وما هي إلا أيام حتى تهيأ له جيش ضخم قوي ، وحتى فصلنا عن صنعاء يملؤنا الأمل وتزدهينا الكبرياء . وكنت أتحدث إلى أبرهة بأننا سنقطع هذه الطريق على طولها في غير مشقة ولا جهد ، وبأننا سنصل بين الشام واليمن ، وبأني سأستقبله ضيفا في بلاد القيصر ، كما استقبلني ضيفا في بلاد النجاشي . وكان جيشنا يعظم ويضخم كلما تقدمنا في الطريق بمن كان ينضم إلينا من أذواء اليمن وأقيالها . ولكن طريقنا لم تخل مع ذلك من العقاب ولم تكن آمنا كلها ، فقد نصب لنا الحرب جماعة من أقيال اليمن على رأسهم رجل يقال له ذو نفر ، غيرة على وثنيتهم ، وحفيظة لبيتهم ذلك ، ودفاعا عن حلفائهم من قريش ، ولكنا هزمناهم في غير مشقة ، وأخذنا رئيسهم أسيرا . وهم الملك أن يقتله ، ثم رق له وعفا عنه ، واستبقاه في أسره . ومضينا أمامنا لا نلقى كيدا حتى كدنا نبلغ تهامة اليمن ، وإذا حي من أحيائها قوي عظيم البأس مسلط على الأرض ، متحكم في الطريق وفي القوافل التي تقطعها ، يقال له خثعم ، قد جمع لحربنا ، وغره عدده فخيل إليه أنه سيقهرنا كما تعود أن يقهر الناس من قبل . ولكن قهرناه في أقصر وقت وأيسر