محمد طاهر الكردي

310

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

جهد ، وأخذنا رئيسه رجلا يقال له نفيل بن حبيب أسيرا وهم الملك أن يقتله ولكنه استعطف وغلا في الاستعطاف حتى ظفر بعفو الملك ، وتقدم مع الأدلاء ليسلكوا بنا طريق هذا البيت الذي كنا نقصد إليه . ونمضي في طريقنا لا نلقى كيدا ، وقد هابتنا العرب وخلت لنا الطريق ، وأعظمت أمرنا إعظاما حتى إذا دنونا من مكة ، وبلغنا مدينة عظيمة هناك يقال لها الطائف ، تقوم على مرتفع من الأرض عظيم ، ومن حولها النخيل والكروم والحدائق ، فيها أنواع الفاكهة والثمر كأنها مدينة من مدن الساحل الشامي قد نقلت إلى تلك الأرض المقفرة المجدبة فأقامت فيها مشرفة زاهية كأنها الابتسامة الجميلة في الوجه المظلم الكئيب ، خرج إلينا هنالك أهل هذه المدينة فقدموا الطاعة وأظهروا الخضوع ، وبعثوا معنا رجلا منهم يسلك بنا إلى مكة أقرب طريق ونمضي أمامنا حتى نبلغ مكة ، فينيخ الجيش يستريح قبل أن يأخذ في الهجوم . ويأتي سفراء القبائل إلى الملك من كل مكان يقدمون إليه طاعتهم ويعرضون عليه ثلث أموالهم ، ويطلبون إليه أن يدع بيتهم هذا لا يمسه بسوء ، فلا يسمع الملك منهم ولا يحفل بهم . ثم يرسل الملك طلائعه فتغير على ما حول مكة من الأرض وتستاق كل ما تجد فيه من مال . حتى إذا كان الغد أرسل الملك جماعة من أصحابه إلى مكة وكلفهم أن يسألوا عن سيدها وعظيمها ، فإذا لقوه أنبئوه بأن الملك لا يريد قتالهم ولا حربهم ، وإنما يريد أن يهدم هذا البيت فإن خلوا بينه وبين البيت فهم آمنون ، وإلا فليأذنوا بحرب تسحقهم سحقا وأمر الملك سفراءه أن يأتوا بعظيم قريش إن أظهر الموادعة والميل إلى السلم . ويمضي السفراء ثم يعودون ومعهم رجل عظيم ، وسيم جسيم ، لم أر قط أجمل منه ، ولا أملأ للعين ، ولا أوقع في القلب ، ولا أشد مهابة وجلالا . حتى إذا بلغوا به سرادق الملك دخلوا يستأذنون له . ويسأل الملك عنه فيقال له : هذا عبد المطلب سيد قريش وصاحب عيرها ، أعظمها شرفا ، وأعلاها مكانة ، وأكرمها نفسا ، وأسخاها يدا ، يطعم الناس في السهل ويطعم الوحوش في رؤوس الجبال وكنت عند الملك حين أدخل عليه هذا الرجل ، ورأيت الملك ينظر إليه فيكبره ويعظمه ، ويلقاه بالتجلة والكرامة ، ويهم أن يجلسه معه على السرير ، ولكنه يشفق أن تنكر الحبشة ذلك ، فينزل عن سريره ويجلس مع هذا الرجل على البساط . ثم يكلف الترجمان أن يسأله حاجته . فما أشد ما عجب الملك حين فسر الترجمان له جواب سيد قريش . قال : حاجتي أن ترد إليّ مائتين من الإبل أخذتها طلائعك فيما أخذت أمس من المال . قال الملك مستهزئا : لقد أعظمتك حين